الأربعاء 22 ربيع الأول / 20 نوفمبر 2019
01:54 ص بتوقيت الدوحة

هذه منابر الإنقاذيين.. فأين منبر الثوار؟

هذه منابر الإنقاذيين.. فأين منبر الثوار؟
هذه منابر الإنقاذيين.. فأين منبر الثوار؟
ظهرت مع سقوط نظام الإنقاذ دعوات ثورية تنادي بحظر صحف ارتبطت بالعهد السابق، وعجب الثوار كيف يُسمح لأقلام إنقاذية بالبقاء في عهد الثورة؟! حتى ولو امتدح أصحابها التغيير، لكن هذه الدعوة لم تعِش طويلاً، فهل ماتت لأن الثوار فطنوا إلى تعارض الدعوة مع مبدأ الحرية الذي يكفل للجميع حق التعبير؟
قد يكون هذا التفسير أحد الأسباب، لكنه ليس أقواها، حيث نلاحظ أن الثوار لم يقفوا عند حدّ التراجع عن رفض صحف الإنقاذ، بل حدث تعايش مع هذه الصحف، فصار الثوار يبحثون عن أخبارهم في «المجهر» وأخواتها -رغم أنها تغضبهم أحياناً- وهو تعايش غير مستغرب، لأنه استمرار لحالة سبقت الثورة، فنظام الإنقاذ لم يكن كامل الديكتاتورية يضع حداً فاصلاً قاطعاً بين مؤيدين يسبّحون بحمد النظام، وخونة يقبعون وراء القضبان كما في الأنظمة الاستبدادية في عدد من البلدان، خلق النظام السابق مساحة رمادية تسهل فيها المناورة، اتسعت بعد وضع دستور 2005، فكتب صحافيون محسوبون على الإنقاذ مقالات ناقدة بشدة لسياسات النظام، ولم يُحرم صحافيون موالون للمعارضة من حضور مقدّر في صحافة الإنقاذ، ولو شكوا تقييد حريتهم المنقوصة، لذلك لم يكن كثير من الكتاب والمحررين الموالين للثورة غرباء على القارئ الذي ألف أسماءهم قبل الثورة، ويقفز سؤال جديد: لماذا عايشت قوى الثورة صحافة الإنقاذ، ولم تؤسس صحيفة خاصة بها تعبّر عن الثورة والثوار بحق؟
يكتمل هذا التساؤل بافتراض منطقي هو إقبال الثوار بقوة على صحيفتهم المعبّرة عنهم بصدق، والانفضاض عن صحف العهد البائد، فتضعف أو تموت تلك الصحف بعد أن تتمدد جريدة «ديسمبر»، ولا تترك مساحة تُذكر لـ «المجهر» و»السوداني» و»آخر لحظة»، وتتحقق بذلك الدعوة لإزاحة صحف الإنقاذ بلا حاجة لقرار ثوري، وبلا انتهاك لمبدأ ديمقراطي، لكن قوى الثورة لم تفعل، وهو ما يعتبر امتداداً لعجز عام جعلها واقفة عند محطة تعديد إخفاقات العهد السابق، بلا قدرة على تقديم بدائل تخصّ العهد الجديد، وكما أن الإسهاب في الحديث عن مساوئ صحف الإنقاذ لن يغني قوى الثورة عن تقديم منبرها الخاص، فإن تكرار الحديث عن مظاهر سوء الإدارة في عهد الإنقاذ لن يعفي الثوار من تقديم بدائلهم في حسن إدارة الدولة، ولعلّ من بواعث القلق والخوف أن الذي عجز عن تأسيس منبر إعلامي يخصّ قوى الثورة، واكتفى بالهجوم على صحف وصحافيي الإنقاذ هو أعجز عن تقديم بدائل ورؤى في الميادين الأصعب، وهو ما يفسر عدم إحداث نقلة حقيقية رغم مرور فترة كافية بعد سقوط الإنقاذ.
أما إذا اعتبرت مظاهر الديمقراطية هي النقلة الأهم، فهذا تمسّح بإنجاز مستعار، لأن الديمقراطية نظام حكم تتفق عليه تنظيمات ذات أفكار وبرامج سياسية مختلفة، وليست برنامج حكم يخصّ حزباً أو تحالفاً، لكن يبدو في سلوك كثير من القوى الثورية، أنها تريد تجيير التحول الديمقراطي باعتباره إنجازاً يخصّها، وقد تعتبره النقلة الجوهرية التي تلقي عن كاهلها أعباء التغيير في حياة الناس، ولسان حال هذه القوى يقول: ألا يكفي أنكم قد تحررتم من مضايقات الأجهزة الأمنية، وتخلصتم من القوانين المقيّدة ومهدّدات الاعتقال، وتمتعتم بحق التعبير والتظاهر والإضراب؟!
هذه مزايا حقيقية، لكنها ليست برنامجاً لهذا الحزب أو ذاك، إنها مزايا خالصة للديمقراطية، ورغم أن الحزب المنحاز للديمقراطية يتفوق على من لا ينحاز لها، لكنه انحياز لا يمنحه أفضلية في البرامج الحزبية المطروحة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.