الثلاثاء 21 ربيع الأول / 19 نوفمبر 2019
04:58 ص بتوقيت الدوحة

كي لا نضع البيض في سلّةٍ واحدة

كي لا نضع البيض في سلّةٍ واحدة
كي لا نضع البيض في سلّةٍ واحدة
تشهد بدايات العام المقبل، انعقاد الجولة الثانية لمؤتمر المانحين الذي تعقده الدول والمؤسسات المالية الإقليمية والعالمية، التي أبدت حماساً لدعم السودان، بعد التغيير الذي أحدثته الثورة السودانية في الواقع السوداني، وتأثيرات تلك الثورة التي انداحت نحو دول الجوار، الجولة الأولى عُقدت في واشنطن، وقد تداعت لها دول الترويكا «الولايات المتحدة، بريطانيا والنرويج» وألمانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى بعض الدول العربية «الإمارات، السعودية، قطر ومصر»، ومن المؤسسات الدولية البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبنك التنمية الإفريقي، وشارك في الاجتماع وزير المالية السوداني إبان زيارته الأخيرة للولايات المتحدة.
لقد كان الاجتماع الأول تمهيدياً، أعرب كل المشاركين فيه عن رغبتهم في دعم جهود السودان لمواجهة والتغلب على التحديات التي يعيشها الآن، وهو يسعى إلى خلق بديل للنظام البائد، الذي ظل يمكّن لأفكاره وكوادره ومؤسساته على مدى ثلاثة عقود، انفرد فيها بالسيطرة على السودان، لكن ذلك الدعم والمؤازرة المرتجاة تتوقف على أن يضع السودان على مائدة مؤتمر المانحين مشاريع مدروسة وذات جدوى اقتصادية واجتماعية، مع توفير القوى البشرية القادرة على إنجازها، فكل دولة تعرض دعماً مالياً تريد بداية أن تتأكد من أن المشروع الذي تموّله مشروع ذو جدوى وقابل للنماء والتطور، وأن القوى القادرة على تنفيذه متوفرة.
المؤتمر عبّر عن حسن نوايا الدول المشاركة فيه، وهذه هي مهمة مؤتمرات المانحين في كل زمان، وما يتردد في مثل هذه المؤتمرات من تعهدات ليس التزاماً قاطعاً يفرض على الدولة فرضاً أن توفر كل الأموال التي ذكرتها في المؤتمر، وليس هذا أول مؤتمر مانحين يُعقد لدعم السودان، ولذلك فإن لنا تجارب في هذا الإطار، ومن ثم لا ينبغي أن نعوّل كثيراً على مثل هذه المؤتمرات، والسياسة الأصوب هي أن نستفيد منها لكي نروّج للاستثمار الخاص المباشر في السودان.
في العام 2005، وفور توقيع اتفاقية السلام الشامل في السودان «اتفاقية نيفاشا»، دعت الدول المانحة لمؤتمر مشابه عُقد في أوسلو، وتعهد خلاله المانحون بتقديم دعم مالي يفوق بكثير آمال وتطلعات الجانب السوداني، بل بلغ ضعف ما كان يتوقعه السودانيون، وقد شاركت في ذلك المؤتمر، وقدمت مداخلة باسم منظمات المجتمع المدني، وأحسست بسعادة بالغة والدول تتبارى في التعهد بدفع أموال تتجاوز أقصى ما يدور في خواطرنا، وأن يتواصل ذلك الدعم على مدى ست سنوات، وقد عبّرت عن تلك السعادة لدبلوماسي نرويجي كان يجلس بجانبي، فابتسم وقال لي: يُستحسن ألا تسرف في التفاؤل، ولو دفعت هذه الدول حقيقة ربع ما تعهدت به هنا لكان ذلك نجاحاً عظيماً!! ثم أضاف: «هذه هي خبرتي من كل المؤتمرات المشابهة التي حضرتها»، وأثبتت الأيام صحة ما ذهب إليه ذلك الدبلوماسي، فلم يصلنا من ذلك الدعم إلا أقل القليل، أروي تلك القصة لا لكي أثبّط همم القائمين بالأمر، بل لكي لا يعوّلوا على كل الأرقام التي سيتداولها مندوبو الدول، بل أن يستغلوا المؤتمر للترويج للاستثمار المباشر فهو أضمن، ولذلك يحسن القطاع الاقتصادي في الحكومة صنعاً إذا عكف على وضع قانون استثمار منصف وعادل، يشجع الاستثمار ويحافظ على حقوق الأطراف كافة، وأن يروّج له خلال المؤتمر جنباً إلى جنب مع مشاريع التمويل عبر المانحين، فتلك أجدى وأكثر نجاحاً من سياسة وضع كل البيض في سلةٍ واحدة!
الأمر الثاني هو التعجيل في إصلاح قطاع الدولة، فهو تحت حالة الضعف والترهل والتسيّب التي يعيشها الآن غير قادر وغير راغب في أن يأخذ زمام المبادرة لإنجاح أي مشروع، سواء كان ممولاً من المانحين أو من مشاريع القطاع الخاص، بل هو مؤهل أكثر لإجهاض أي مشروع ووضع العقبات أمامه، وللمستثمرين خاصة وللممولين عامة تجربة مع هذا الجهاز، فكان في أحسن الأحوال طارداً، وفي بعض الأحيان فاسداً، وفي كلتا الحالتين لا يمكن أن يعوّل عليه في إنجاز أي مشروع!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.