الثلاثاء 21 ربيع الأول / 19 نوفمبر 2019
04:59 ص بتوقيت الدوحة

لبنان.. خطاب سياسي «مشلعط»

سحر ناصر

الخميس، 07 نوفمبر 2019
لبنان.. خطاب سياسي «مشلعط»
لبنان.. خطاب سياسي «مشلعط»
سألني خالي -الذي هاجر إلى الولايات المتحدة الأميركية منذ نحو 45 عاماً- عن حالي، سائلاً إياي لماذا لم أتواصل معه منذ فترة؟ فأجبتُه بلا تردُّد: «أخاف يا خالي أن يتهموني بالتعامل مع أميركا»، وكذلك قاطعتُ عمّتي من كندا حتى إشعار آخر، وأحاول أن أُقلّص التفاعل مع الأصدقاء في الدول العربية؛ خصوصاً بعد الخطابات التي أتحفنا بها بعض السياسيين في لبنان عن مزاعم الدعم الخارجي الذي يُقدَّم للمتظاهرين.
هذا الدعم الذي استنتجه «فطاحل» الساسة عند رؤية «منقوشة الزعتر» وقارورة المياه التي يجري تداولها بين الطلاب والشباب والأطفال والشيوخ الذين انتفضوا ضدّ الفساد. اتهام المتظاهرين بتلقّي الدعم الخارجي من سفارات عربية أو أجنبية لأنهم يأكلون «المناقيش»، ويعتصمون في خيم صغيرة، ويرتدون الأزياء المعاصرة؛ يجعلنا نتساءل عن الصورة التي ترانا فيها الطبقة الحاكمة في لبنان.. فهل فعلاً كانوا يظنون أننا شعب يستحق الجوع؟! وأننا شعب مقامه النفايات؟! وأنهم مصدومون من تحضّر التظاهرات ولو تخلّلتها شتائم ورقص، وحاولوا التبخيس فيها؟!
الصورة التي يروننا فيها نحن اللبنانيين تحزّ في نفوسنا، وتكسر خاطرنا؛ إذ لم يستوعب أهل الحكم في بلادنا بعدُ أن شرارة الانتفاضة في لبنان لم تنطلق بسبب الفساد في ملفات عدّة مثل الكهرباء، والضمان الاجتماعي، والأملاك العامة، والنفايات، وإيرادات الدولة وغيرها الكثير. بل إن الشرارة التي دفعت اللبناني إلى الانتفاض هي أسلوب تعاطي السلطة مع الشعب، وهو ذلك الاستهتار بالعقول، والعجرفة، وسوء الخطاب السياسي.
لقد اندلعت هذه الاحتجاجات بعد أيام قليلة من توجّه أحد الوزراء السابقين في الحكومة المستقيلة إلى اللبنانيين في مؤتمر صحافي قائلاً: «اللي ما بدّه يفرز النفايات ما يسمّعني صوته.. ما بدّي اسمع صوته»؛ فكان الردّ في التظاهرات بتقديم الشباب اللبناني مشهداً متحضراً في الاستدامة والبيئة لم يتخيله هذا الوزير يوماً، ما يُترجم بُعد أهل السلطة عن الواقع وعن عقلية الشباب. الوزير نفسه أدلى بتصريح يقول فيه أيضاً: «واجبكم دفع الضرائب.. سواء أكانت ستُسرق أم لا، فهذا ليس من شأنكم»!
وتأججت شرارة هذه الاحتجاجات أكثر عندما خرج الأمين العام لأحد الأحزاب الجماهيرية، متهماً الكثير من المتظاهرين بالارتهان للخارج، والحصول على دعم من السفارات، فيما هو نفسه اعترف وأبدى فخره بالحصول على دعم واضح من إحدى الدول الإقليمية؛ فبدت للبنانيين المقاربة بأن «الدعم له حلال ولغيره حرام»، فرفضوا التشكيك بهم وشعروا بإصرار أهل الحكم تكريس «الدونية» في الخطاب السياسي.
ثم توسعت دائرة الاحتجاجات مع تصريحات بعض الشخصيات المصرفية عن وضع الليرة مقابل الدولار، دون التطرّق إلى مشاعر الناس ومطالبهم -ولو بإشارة بسيطة- وهذا ما فهمه اللبنانيون على أنه «تطنيش» لهم. وعقب انتشار تصريحات أخرى وصفت المتظاهرين بـأنهم «كم شلعوط» -وهي كلمة شعبية تُستخدم لتحقير مجموعة معينة من الأفراد- هبّ المزيد من اللبنانيين للتظاهر.
الخطاب السياسي علمٌ بحدّ ذاته، وخصوصاً عند الأزمات الوطنية. وللأسف لم يرتقِ الخطاب السياسي في لبنان إلى مستوى وجع الناس ومطالبهم، ولم يحاكِ عقلية اللبناني، الذي يتبع شعار «كبرنا بالعتمة... وما شايفين حدا». اللبناني بطبعه معتدّ بنفسه، هذه عقليته التي نتفق معها أم لا، وبالتالي العنجهية والعجرفة والغرور السياسي في التوجه إلى اللبنانيين لا يلقى آذاناً صاغية!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

فقراء ولكن..

17 أكتوبر 2019

كيفك أنت؟

10 أكتوبر 2019

«ما بفهم عربي»

26 سبتمبر 2019