الإثنين 11 ربيع الثاني / 09 ديسمبر 2019
03:14 م بتوقيت الدوحة

العاطفة والسياسة

العاطفة والسياسة
العاطفة والسياسة
قال لي مرة الكاتب الصحافي السوداني المعروف صديق البادي، إنه يعرف مواطناً هتف في إحدى اللقاءات الجماهيرية «لمن غمر»، أي حتى أغمي عليه؛ مثالاً على شدة الانفعال والعاطفة التي تجتاح بعض الناس بأكثر مما كان يرجو القادة السياسيون.
العاطفة في السياسة مطلوبة، بل وضرورية، لكن بمقدار؛ فإذا ما زادت عن الجرعة المطلوبة تحوّل التخطيط إلى هتاف وأشعار وتزييف.. يمكن أن نقول «نحن الساس ونحن الراس»، وليس في هذا التفاخر ما يعيب، ولا يستلزم أن يخرج علينا من ينكد هذه السكرة (الحميدة) بالقول إن الإحصاءات تكذّب هذا الإدعاء؛ يكون الإحصائي في مثل هذه الحالة كمن لا يرى جمالاً في قول شوقي:
وطني لو شُغلت بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي
بدعوى أن الوطن لا يمكن أن يشبه الجنة. ويستفيض هذا «المنطقي» في تفنيد المعنى الشاعري الجميل.
قد توجد بهارات عاطفية حتى في كتابة التاريخ، لكنها لا تبلغ درجة الأكاذيب. فمن الطبيعي أن نقرأ في أوطاننا تاريخاً عن نضالنا الوطني يختلف عن تاريخ كتبه عنا أكاديميون آخرون. وقد ينخدع كاتب سوداني بما يظنه موضوعية، فيزعم بدعوى تخلّصه من العواطف أن استقلال السودان كان مجرد منحة من المستعمر.
من أمثلة اختلاط العاطفة بالسياسية والتي أثارت جدالاً كثيراً، قرار الرئيس المصري جمال عبدالناصر تأميم قناة السويس، فقد شحن عبدالناصر شعبه في تلك الليلة بطاقة عاطفية هائلة حين أعلن بأسلوبه الخطابي الساحر عن تأميم القنال وعودة قناة مصر إلى شعب مصر ؛ لكن البعض رأى -بحسابات العقل- أن الزعيم المصري أدخل بلاده في مواجهة مع دول عظمى بلا داعٍ؛ لأن القنال كانت سوف تعود إلى مصر عام 1968، بموجب الاتفاقية التي منحت الشركة امتياز إدارة القنال لـ 99 سنة تنتهي في التاريخ المذكور.. لكن الجدال انتهى لمصلحة قرار الزعيم، فالشعب لا يريد أن يفقد نشوة العزة بانتزاع القنال.
النقاش حول الموضوع مبرر؛ لأن العاطفة تجد أحياناً اهتماماً زائداً على حساب البرامج والخطط. وعلى سبيل المثال تظل «التعبئة» حالة دائمة تُرصد لها ميزانيات ضخمة؛ فما أن يأتي نظام جديد حتى يكون استقبال الرئيس أو الوالي أو المحافظ بنداً مالياً ثابتاً في كل محلية، حتى ولو زار المسؤول المنطقة 10 مرات، وتستمر حالة التعبئة بلا نهاية، رغم أنها بطبيعتها حالة عابرة يُفترض ألا تتعدى الشهور الأولى من عمر النظام الجديد، أو العام الأول على الأكثر.
الآن بلغت الثورة السودانية أكثر من نصف العام على انتصارها؛ لكن حالة النشوة بالانتصار ما زالت سيدة الموقف. وقد تؤخّر هذه الحالة العاطفية مرحلة البناء التي تعقب بالضرورة مرحلة الثورة التي يفترض ألا يطول عمرها؛ لكن قد تطيل عمر هذه الحالة مشقة البناء، فيهرب الناس من الفعل الشاق إلى الاحتفالات.
و ثمّة عامل آخر يُبطئ العمل البنّاء، هو الركون إلى مهاجمة العهد السابق وتعديد مظاهر فشله وفساده. هذه حالة أخرى عجيبة لأن فساد النظام السابق وفشله أمر معلوم، ولولاهما لما هبّ الشعب الثائر يواجه الرصاص والموت، لكن الركون إلى الطعن في النظام البائد مهرب آخر من مواجهة مهمة البناء العسيرة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.