الأربعاء 22 ربيع الأول / 20 نوفمبر 2019
02:53 ص بتوقيت الدوحة

مأزق «الدولة الفاشلة» في احتجاجات العراق ولبنان

مأزق «الدولة الفاشلة» في احتجاجات العراق ولبنان
مأزق «الدولة الفاشلة» في احتجاجات العراق ولبنان
ليس أمام الشعب سوى إبداء الغضب، لكن أمام الطبقة السياسية الحاكمة أن تثبت أنها مسؤولة. ما شهدته شوارع العراق قبل أسبوعين وقد يتجدّد، ثم شوارع لبنان أخيراً، لم يكن مجرّد سخط شعبي على أوضاع معيشية لا تتحسّن أو نقمة على ضرائب وتدابير حكومية جائرة، بل نتيجة تراكمات على مدى أعوام اختزن خلالها الناس ما يرونه من إهمال ولا مبالاة ونهب علني للمال العام. وما تبدّى من ردود فعل حكومية لم يكن بالمستوى المطلوب؛ لأن المشكلة تكمن أيضاً في تقصير متراكم تصعب معالجته بمرور الوقت، وتكاثر التحديات القديمة والمستجدّة، لذا تفضل القوى السياسية أن تسيطر على الحكومات وتتوزّع الوزارات، وتتعامل مع الميزانيات على أنها مغانم.

أدّى الهلع السياسي في بغداد، كما في بيروت، إلى استخدام القمع لإخلاء الشوارع، لكن من دون جدوى، فحتى لو انكفأ المحتجّون لفترة فإنهم سيعودون. لا مجال للمقارنة بين الحالَين في مجال العنف السلطوي، فهو حصد في العراق ما يقارب مئتَي قتيل وستة آلاف جريح، متجاوزاً العنف المفرط إلى الوحشية الممنهجة حين يُدهم ناشطون داخل منازلهم ليُقتلوا، أو حين يُفلَت القناصة لإطلاق النار على رؤوس الشبّان وصدورهم، أو حين يُلتقط كثيرون بينهم أطفال وتُقطع آذانهم وفقاً لتقليد اتّبعه نظام صدّام حسين. أريدَ للقمع أن يكون حاسماً ورادعاً، والأسوأ أن الأجهزة الأمنية الحكومية تبرّأت منه، ولما لم يصدّقها أحد اضطرّت للكشف عن قادة وأطراف في ميليشيات «الحشد الشعبي» انبروا لهندسة هذا العنف بمعزل عن الدولة والحكومة، بل رغماً عنهما.
من هم المتظاهرون المحتجون هنا وهناك. إنهم في العراق من المناطق والبيئات الاجتماعية والمذهبية نفسها التي تنتمي إليها الأطراف المهيمنة على الحكم. أما في لبنان فكانوا للمرّة الأولى من الطوائف والمناطق كافةً، إذ يعيشون في قلق وإحباط من هول الأزمة الاقتصادية والمالية التي لا يخفي مسؤولون حكوميون ومصرفيون بأنها تقترب سريعاً من التفجّر وتندفع سريعاً بالبلد نحو الانهيار. كلمة واحد تكرّرت وهي الفساد، لتتبعها مطالب موحّدة: استقالة الحكومة، حلّ مجلس النواب، محاكمة المسؤولين ومحاسبتهم... مع رفض جذري للطبقة السياسية جرى التعبير عنه بإحراق مقار الأحزاب، ما سلّط الضوء على انعدام كامل للثقة بين المجتمع والمؤسسات، أي بينه وبين الدولة. فما هي هذه الدولة التي لا تستطيع تأمين ماء وكهرباء ومستشفيات ومدارس وفرص عمل، وفوق ذلك لا تستطيع ضمان العملة وقيمتها كما هي الحال في لبنان، أو لا تستطيع في البلدَين إنهاء ازدواجية السلاح بين شرعي في يد الجيش الوطني وغير شرعي في أيدي ميليشيات كـ «حزب الله» و»الحشد».
في الأعمّ والأغلب لم تكن للاحتجاجات منطلقات سياسية بحتة، لكن مطلبيّتها المحقّة تدخلها حتماً في سياق سياسي، ولذلك فهي كشفت أزمة نظام لا يعمل ولم ينتج سوى دولة فاشلة تبدّد مداخيلها على معادلات النفوذ ومقتضيات التحاصص بين «عصابات» تعتقد كلٌّ منها أنها «دولة» قائمة بذاتها. فأي تحليل لعناصر الأزمتَين سيُظهر أن منطق الدولة والمؤسسات مفقود تماماً، لكن المستفيدين يحافظون على مظاهرها لتبقى بقرتهم الحلوب. يستتبع ذلك أن التدبير المسبق للانتخابات يُوصل غير المؤهّلين والتابعين للقوى المهيمنة. من هنا أن المطالبة العائمة بـ «إسقاط النظام» هي قبل كل شيء إدانة للعقلية السياسية التي تُدار بها الدولة وشؤون المجتمع، ودعوة ملحّة إلى تغييرها.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.