الإثنين 20 ربيع الأول / 18 نوفمبر 2019
02:50 م بتوقيت الدوحة

صناعة التاريخ.. آبي أحمد نموذجاً (2-2)

صناعة التاريخ.. آبي أحمد نموذجاً  (2-2)
صناعة التاريخ.. آبي أحمد نموذجاً (2-2)
رصدنا في المقال الماضي رؤية مستقبلية لرئيس تونس الجديد قيس سعيد، والذي يمثل -كما قلنا- نموذجاً مختلفاً للرؤساء والقادة العرب، ونستكمل هنا نموذجاً آخر، وهو رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، الذي صنع إثيوبيا جديدة ورسخ اسمه في تاريخ بلده خلال أقل من عامين، حيث سيتعامل التاريخ معه كنقطة فاصلة، لما قبل وما بعد توليه السلطة، وقد سبق لي أن توقفت عند ظاهرة رئيس الوزراء في مقال لي في نفس تلك المساحة، وكان ذلك في الأسبوع الأول من أغسطس 2018، بعد أشهر من توليه السلطة، وكان المقال رؤية محايدة ورصداً أميناً لما آلت إليه الأحوال في أديس أبابا، خلال هذه الفترة المحدودة، وبهذا فإن خبر فوز رئيس الوزراء الإثيوبي بجائزة نوبل للسلام، لم يكن مفاجأة للذين يتابعون مسيرة هذا الرجل. وقد يكون السبب الأبرز الذي دفع المسؤولين عن جائزة نوبل إلى ذلك الاختيار هو سياسته في «تصفير الأزمات»، وإنهاء المشاكل مع دول الجوار، حيث سعى مبكراً للتوصل إلى اتفاق السلام بين بلاده وإريتريا، ونجح في إنجاز المصالحة التاريخية مع الدولة الجارة، التي تمت بسعي الطرفين ورغبتهما، دون أن يكون هناك أي وسيط إقليمي أو دولي، وهي المصالحة التي سمحت بإعادة رسم الخريطة الاستراتيجية لمنطقة القرن الإفريقي، كما أن الموارد التي كانت تستخدم في الصراع ستحول إلى الاستثمار في التنمية، وحقق فوائد استراتيجية لبلده، والتي استفادت بعودة تعاملها مع العالم، من خلال الموانئ الإريترية، بعد انقطاع طويل بطول سنوات الصراع، الاتفاق لم يكن حبراً على ورق، بل أسهم في إقامة علاقات دبلوماسية حقيقية بين البلدين، اللذين كانا يوماً بلداً واحداً، كما ساعد الاتفاق في تعزيز الروابط اليومية، من خلال خطوط الهاتف والرحلات الجوية بين الجانبين، وعندما هبطت أول رحلة جوية تابعة لشركة الخطوط الجوية الإثيوبية من أديس أبابا إلى العاصمة الإريترية، أسمرة، في 18 يوليو من العام قبل الماضي، جثا الركاب على ركبهم وقبلوا الأرض، فيما احتضنت شقيقتان والدهما لأول مرة بعد 20 عاماً من الانفصال بسبب الحرب. دوره في المصالحات داخل القارة الإفريقية لم يتوقف عند هذا الحد، ففي جنوب السودان، كان أحد المساهمين في إنجاز مصالحات بين الرئيس سلفاكير ميارديت، وزعيم الحركة الشعبية رياك مشار، أما التوصل إلى حل للأزمة السودانية الأخيرة بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري، فقد شهد له طرفا الأزمة من جهة، وتم الاحتفاء بهذا الدور في حفل توقيع الاتفاق بينهما، الذي وفر للسودان مجلساً عسكرياً انتقالياً، ووزارة مدنية، وشراكة بين الطرفين لمرحلة انتقالية لأكثر من ثلاث سنوات، ومن جهة أخرى حاز على إشادة عالمية بهذا الخصوص.
وسيسجل التاريخ أنه من أسرع زعماء العالم سعياً إلى إجراء مصالحة داخلية، أنهت عمل الجماعات المسلحة، ورفع أسماء ائتلاف المعارضة الإثيوبية المسلحة، و»جبهة تحرير أوروم» و»جبهة تحرير أوغادين» و»الجبهة الوطنية الإثيوبية» من قائمة المجموعات الإرهابية، وبدورها تخلت المعارضة الإثيوبية في إريتريا عن المقاومة المسلحة، معلنة تعليق أنشطتها العسكرية، وعادت قيادات «جبهة تحرير أورومو المتحدة» المعارضة إلى إثيوبيا بعد عقدين في المنفى، لقد أفرج آبي أحمد عن 60 ألف سجين سياسي، كما تعهد بإجراء انتخابات حرة في عام 2020، .. فمخططه الذي يسعى إلى النجاح فيه تخليص ما يراوح بين 60 و70 مليون شخص من الفقر، ويكفي أن الوكالات الدولية تنظر إلى إثيوبيا على أنها نموذج للتطور، وأفضل أمل لإفريقيا لمحاكاة التحول الاقتصادي والاجتماعي، وفقاً للنموذج الآسيوي.
هل هذا يعني أن طريق آبي أحمد وتجربته سالكة، بدون تحديات أو مصاعب. على الإطلاق، هو واعٍ لذلك، وتعامل بحكمة مع استهدافه شخصياً أو محاولات زعزعة الاستقرار في البلاد، فهو يعوّل على انتخابات العام المقبل، في الاستمرار في برنامجه للإصلاح، خاصة أنه رغم تحقيقه إنجازات عظيمة مقارنة بدول مشابهة في أزمنة قياسية، فإنها تمثل كما قال 1% من أحلامه لشعبه.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.