الخميس 25 جمادى الثانية / 20 فبراير 2020
05:15 م بتوقيت الدوحة

غمامة البحتري

غمامة البحتري
غمامة البحتري
لم يبقَ ما لم تصوّره لنا عدسات الشعراء، لقد وصفت لنا المجرّدات والمجسّدات، والذوات المحسوسة والمعاني المستترة المضمرة، ولنا اليوم موقف مع عدسة البحتري وهو يصف غمامةً تلبّدت وأودقت وأغدقت، حتى امتلأ الوادي منها ديماً، فقال:
مَسْفوحَةُ الدَّمعِ لِغيرِ وَجْدِ
لهَا نَسيمٌ كَنسيمِ الوَردِ
جاءَتْ بِها ريحُ الصِّبا مِنْ نَجْدِ
فانْتَثرَتْ مِثْلَ انْفِراطِ العِقْدِ
كأَّنَّما غُدْرَانُها في الوَهْدِ
يَلْعَبْنَ مِنْ حُبَابِها بالنَّردِ
عند الفراغ من قراءة مقطوعته التي تنتهي بهذا البيت، وتنتهي معه حبات المطر المتساقطة من الغيمة، نشعر وكأنّنا أمطرنا بعد صلاة استسقاء، حتى إذا نضر الشجر واهتزّت الأرض وربت، وعمّت البشرى وصفت الأجواء، وعادة الشعراء أن يصوّروا المشهد كاملاً ثمّ يقتربوا من أحد جزئياته ومساماته، كما فعل البحتريّ إذ نقل لنا مسيرة الغمامة وكيف ساقتها ريح الصّبا من مكان بعيد. ثمّ وصف هطولها وصفاً رائعاً؛ فشبّه تقاطرها بانفراط العقد الذي كان يضم لؤلؤه وزبرجده وعسجده، إلا أن الشاعر يقترب بنا أكثر فأكثر حتى يطلعنا على مصير القطرات، وأين انتهى بها المطاف، فقد سقطت القطرات الأخيرة من الغمامة على الغدران التي صنعها هطول الغمامة ذاتها في الوهاد، وكانت تشبه، وهي تقع على وجه الماء ثمّ تنفر عنه للأعلى وتعود إلى التلاشي فيه، رمية النرد، وحركة الحجارة فوق الطاولة، فيا لروعته من وصف كأنّنا نعيشه ونقف على ضفة تلك الغدران ونشاهد تساقط تلك القطرات.
لقد بدأت عدسة الشاعر بالجملة، ثمّ انتهت إلى التفاصيل، بدأت عن بُعد فشملت كل شيء، وانتهت عن قرب بلا شيء. غمامة تسوقها الرياح، ثمّ هطول وغدران، ثم تحطّم حباتها الأخيرة فوق سطح الماء، وهذا أحد تقنيات التصوير البياني الفائقة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الشنفرى

16 فبراير 2020

البحتري وبركة المتوكل

09 فبراير 2020

الشاعر الوصّاف

02 فبراير 2020

عدسةُ عنترة

26 يناير 2020

عدسة امرئ القيس

19 يناير 2020