الأحد 17 ربيع الثاني / 15 ديسمبر 2019
12:26 ص بتوقيت الدوحة

الحلال والحرام في السياسة

الحلال والحرام في السياسة
الحلال والحرام في السياسة
سُئل الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي عن سرّ إشادته بالرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، رغم أن الأخير إسلامي يختلف جوهرياً عن الخط العلماني الذي يتبعه المرزوقي، فقال الرئيس التونسي الأسبق إنه ضد هذا التصنيف، وإن موقفه من جميع السياسيين هو موقف السياسي من قضية الحريات.
لم يصف المرزوقي الرئيس المصري الأسبق بأنه رجل صالح أو بأنه رئيس تقيّ، فتجنّب أوصافاً لا تناسب ساحة السياسة؛ لعدم وجود معايير محددة لصلاح وتقوى السياسة. لذلك لم ترتبط السياسة بالحلال والحرام، فلا يقال عن رجل خطط لانقلاب بأنه قد وقع في الحرام، ولا توصف أخطاء السياسة بأنها ذنوب وآثام.
سبق لهيئة علماء السودان أن أصدرت فتوى بحرمة الانقلاب الذي وقع في تركيا ضد الرئيس أردوغان، لتُدخل الهيئة نفسها في ورطة هي في غنى عنها لو التزمت بما تمليه عليها طبيعتها من تبصير للمؤمنين بأمور دينهم فيما يتعلق بالمسائل الفقهية، وترك السياسة التي تحتمل تقديرات كثيرة، خاصة إذا علمنا أن صاحب الانقلاب لن يعدم وسيلة للحصول على فتوى تؤكد صحة تقديره وتحرم تقديرات خصومه.
وعلى سبيل المثال، يقود باب التحريم والتحليل للانقلابات إلى تساؤل إن كان التظاهر حلالاً أم حراماً، وما دام هذا الباب قد فُتح، فقد يطلب شخص أو حزب فتوى حول مشروعية الاعتصام، وتطلب جهة ثانية فتوى حول الوقفات الاحتجاجية، وأخرى حول الانسحاب من الاتحاد الإفريقي، ويتطور الأمر حتى يسأل أحدهم إن كان فصل غازي صلاح الدين من المؤتمر الوطني حلالاً أم حراماً.. فهل كان هناك داعٍ أصلاً للدخول في هذا «الحسكنيت»؟
كان أول رأي ديني لافت في مجال السياسة خلال أيام «الإنقاذ» هو ما أفتت به هيئة علماء السودان بعدم جواز سفر الرئيس البشير خارج السودان ما دام ذلك يعرّضه لخطر الاعتقال من قِبل المحكمة الجنائية الدولية. كان ذلك بُعيد المذكرة التي أصدرها أوكامبو مدّعي «الجنائية»؛ لكن الرئيس سافرغير ملتفت إلى الفتوى، ثم سافر مرات عديدة خارج السودان.. فهل وقع الرئيس في محظور ديني حين خالف رأى العلماء؟
بهذا الاستفهام التقريري ينفي الرافضون للفتاوى الدينية السياسية الحاجة لمثل هذه الفتاوى، وأن الرئيس بمخالفته الفتوى بدون أن يقع في محظور ديني يعني أن الفتوى كانت بلا داعٍ وأن العلماء قد زجّوا بأنفسهم في اختصاص لا يخبرون خباياه.
لم تقف هيئة العلماء عند فتوى واحدة، فظلت تُبدي «آراء» في مناسبات عديدة، تحرّم تارة الانتخابات وتحرّم تارة أخرى تقرير المصير أو مشاركة الأحزاب في المؤتمر الذي عُقد في جوبا قبل الانفصال دعوة من الحركة الشعبية، وغير ذلك من «مواقف» سياسية قد يقول بها سياسيون بغير أن يضفوا على آرائهم قداسة. ولم تستمد آراء العلماء أية قوة رغم محاولات إضفاء الصفة الدينية عليها؛ حيث لا يُنتظر أن يغيّر سياسي رأيه المؤيد لإعطاء الجنوب حق تقرير المصير لمجرد أن هيئة دينية أصدرت رأياً سياسياً مغايراً وأسمته «فتوى»، ولن يبدل سياسي قناعته بالديمقراطية باعتبارها النظام الأفضل لأن «عالماً» وصف الديمقراطية بأنها سفه، ولن يستأذن سياسي هيئة العلماء قبل التوقيع على وثيقة رأى حزبه أن يوقّع عليها.
الحلال والحرام في الدين، والخطأ والصواب في السياسة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.