الجمعة 24 ربيع الأول / 22 نوفمبر 2019
03:37 ص بتوقيت الدوحة

سوريا.. الدولة المتفسخة (3-4)

سوريا.. الدولة المتفسخة (3-4)
سوريا.. الدولة المتفسخة (3-4)
‏الدراسة التي نشرها معهد تشاتام هاوس البريطاني المهمة، تعكس حالة قلق لدى موسكو لخصها تاجر دمشقي: «لا يمكن للميّت أن يحمل ميتاً»، فموسكو عجزت عن إقناع أحد بتمويل إعادة الإعمار، وواشنطن هدّدت بالمقابل كل من يعيد العلاقة مع النظام أو من يعيده لجامعة الدول العربية، وأتى انهيار الليرة السورية مؤشراً على أزمة مالية دائمة وليست مؤقتة، فهو يعكس انهيار الأسس والمداميك الاقتصادية، إذ قدّرت الدراسة خسائر الشعب السوري من الحرب المشنونة عليه بـ 428 مليار دولار، والأمر سيزداد سوءاً مع تطبيق قانون قيصر، الذي سيفرض عقوبات اقتصادية على كل متعاون مع النظام.
‏ما لدينا اليوم عبارة عن سوريا تم اقتطاعها من دول عدة، كل دولة حازت على قطعة، أو شقفة تقاسمها المحتلون الكثر.
‏ففي العرينة ريح ليس يقربه
‏بنو الثعالب غاب الأسدُ أم حضروا
‏وفي الزرازير جبنٌ وهي طائرةٌ
‏وفي البزاة شموخ وهي تحتضر.
المقاربة التي لجأت إليها الدول بشكل عام لتسوية الثورة السورية أخطأت التوصيف منذ البداية، أو هي تعلم التوصيف ولكن سعت إلى التذاكي، فما يجري ثورة شعب مقهور، جثمت عصابة طائفية على جسده لنصف قرن، ولا تزال تصرّ على أنها هي صاحبة المزرعة، ولا يحق للعبد أن يأبق سيده بنظرها، وعلى الرغم من تقديم الشعب السوري لهذا العدد الخرافي من الشهداء والجرحى والمعتقلين والمشردين والدمار، فإنّ العالم كله لا يزال يصرّ معه على مقاربته التي تقول إنه خلاف بين معارضة ونظام، وبالتالي، لا بد من تسوية ذلك ببقاء النظام، والضحك على الشعب بشكليات كالدستور، وكما قال أحدهم: «ليس لدينا مشكلة مع دستور بشار الأسد، فقط خذوا النظام، ونحن قابلون بالدستور».
‏الفوضى الأمنية التي تسعى القوى العالمية على إبقاء عفريتها في قمقم الشام لا يمكن أن تدوم طويلاً، تماماً كما لا يمكن السيطرة عليها وضبطها لفترة أطول، فالفوضى الأمنية اليوم متعددة، إن كانت على المستوى التعليمي أو على المستوى الأمني، وربما على المستوى الصحي، وكذلك على مستوى انتشار المخدرات وغيرها، ويكفي الهجرات التي تهدد دول الجوار، وعبء المهاجرين والمشردين على دول الجوار نفسها، فكما لا يخفى أن موجة الهجرة لعام 2015 عزّزت النازية الجديدة، واليمين المتطرف في دول كالسويد وهنغاريا وحتى ألمانيا.
‏لا يخفى أن العصابة الطائفية تسعى -كما وصف رأس النظام بشار الأسد- لتجانس المجتمع السوري، تجانساً يعني طرد السوري من بيته وجلب العراقي واللبناني والأفغاني والباكستاني الطائفي المتجانس مع العصابة الطائفية، وهو ما يعني أيضاً وباختصار ألاّ تعود الأغلبية السنية إلى ما قبل عام 2011، بحيث تكون أقليّة أو أقرب إلى الأقلية، لا نفوذ لها ولا مكانة لها، وبالتالي، فمطرقة النظام في طرد الشعب السوري من أرضه -والذي بلغ عدد المشردين 12 مليون سوري، نصفهم مشردون للداخل، والنصف الآخر للخارج- يقابلها سندان الدول المجاورة، التي ينبغي أن تستوعب وتستقبل المشردين الذين يطردهم النظام السوري، وهناك اليوم حوالي خمسة ملايين لاجئ ومقيم في الشمال السوري مهددون بالتحول إلى سندان الدول المجاورة، أو أوروبا تحديداً.
‏ما يجهله الغرب والشرق اليوم أنهم إن أرادوا حلّ القضية السورية وفقاً للشروط والمعايير التي يريدها النظام والاحتلال، فإن هذا سيكون على حسابهم أنفسهم، إما من خلال استيعاب ملايين المشرّدين، وكذلك من تداعيات الغضب الشعبي العارم مستقبلاً على دول حرمتهم من بلادهم يوم تصالحت مع النظام وحلّت له مشكلته، وهذا رأيناه يوم تصدر العنف الفلسطيني والأفغاني بعد أن سرقت جهوده وثورته، وربما أمثلة عالمية أخرى.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.