الأربعاء 13 ربيع الثاني / 11 ديسمبر 2019
08:56 ص بتوقيت الدوحة

الشعوب... المؤثر والتأثير

الشعوب... المؤثر  والتأثير
الشعوب... المؤثر والتأثير
ظهر مفهوم العلاقات العامة في القرن التاسع عشر، ولكنه كان أقدم من ذلك بكثير، فهي جزء من حياة الشعوب منذ القدم، فهي أداة للإقناع والتفاهم بين الناس، من خلال التأثير على أفكارهم، وبالتالي على سلوكهم. الحضارة الفرعونية قدمت نموذجاً قديماً في تعامل حكم الفراعنة مع الشعب، حيث كانت تتم مخاطبة الشعب من خلال الصور، بأفكارهم ومعتقداتهم، واستخدموا الكتابات للترويج والإقناع بالأفكار والمعتقدات، فعمل الحاكم على إقناع الناس بأنه هو الآلهة، فصوروا الحاكم بالإنسان في جسد الحيوان القوي، فاختاروا الأسد، وجعلوا القبور ضخمة في طريقة بنائها، للتأثير على شعور الشعب بهيبة الحكام ومكانتهم، من خلال الصورة الذهنية التي يتم بناؤها، وبنوا المباني والقبور، واستخدموا عمليات الترويج، (الحملات التسويقية)، كما استخدمت في الانقلابات السياسية. مثل أخناتون الذي أراد من الناس عبادة الشمس، واستعان بالإعلام في رسم صورتها.

يفسر سلوك الفراعنة بأنه نوع من التأثير على الوعي من خلال ما بثته حضارة الفراعنة من ضخامة المجسمات والقبور التي صنعوها، وأسهمت في السيطرة على فكر الناس وسلوكهم، وتوجيهه نحو الأهداف المرسومة، لبناء المقابر العملاقة، التي تحولت إلى رمز للإنجاز في عرض العبقرية المعمارية الهندسية والفلكية والحسابية العلمية، بما ربط بمواقع النجوم، والشروق، وغيرها، ومعلم من معالم العالم، وعجائبه.

وفي الوقت الذي ننظر فيه لها بأنها إنجاز بشري تركه الفراعنة القدماء، يراها البعض أنها فترة استعباد للناس الذين سُخّروا لبناء قبور الملوك، فانشغلت حياتهم من أجل ما بعد موت آخرين، ولكن في الوقت ذاته فقد كان هناك هدف واضح، عمل من أجله الجميع، مستنداً إلى خبرات متنوعة عالية المهارة.

وعرفت الشعوب أهمية الرأي العام، فاهتمت به الحضارة الرومانية، لذا نقشوا عبارتهم المشهورة على واجهة مجلس الشيوخ «أن صوت الشعب من صوت الله»، و «إرادة الشعب هي إرادة الله»، ووضعوا الأشعار لإعادة الفلاحين إلى مزارعهم للزراعة، لزيادة الإنتاج الزراعي، وقد أدركوا أهمية الاستماع لصوت الناس وكسب تأييدهم، وتوجيه سلوكهم من خلال الحوار والأشعار.

أما اليونانيون فقد تعاملوا مع مفاهيم العلاقات العامة، بشكل أكثر وعياً، للتأثير على الناس، وعرفوا كيفية كسب رضا وتعاطف الجماهير، فهم من أكثر الشعوب التي ركزت على أهمية مشاركة الناس، والاستماع لطلباتهم، فقد أشار المفكر أرسطو في كتابه المعروف «البلاغة»، إلى التأثير على الجماهير، فقد حدد أن رضا الناس وودها، يحدث عند الحصول على تعاطف الجماهير ورضاها وودها، فاهتموا بالجماهير ورغباتهم.

والعكس صحيح، فقد أدى الظلم الذي وقع من الكنيسة في أوروبا إلى تحرك الناس، نتيجة لتحكمها في مجالات الكتابة والعلوم، فرفضوا الواقع الذي يعيشونه. فقاد مارتن لوثر الشعب إلى الثورة على الكنيسة الكاثوليكية، وعملت الكنيسة الجديدة على تخريج المتخصصين في الفكر والنشر في العلوم المختلفة.

وكما يقال دائماً استفاد الأوروبيون من حروبهم مع المسلمين، فاستثمروا فترة الحروب، وقاموا بنقل العلوم الإسلامية والمعارف، التي وصلت إلى إسبانيا، لتنهض أوروبا في عصر النهضة بعد العصور الوسطى، والذي جاءت بعده الثورة الصناعية.
ومع التقدم الصناعي، ووفرة الإنتاج، لم يعد الإنسان موضع اهتمام، كما كان بعد الثورات البشرية، حيث تغير الأمر بعد ثورة الصناعة، وأصبح الاهتمام بالربح فقط، والإنسان كالآلة. فأدرك أصحاب المصانع أهمية النظر إلى المستهلكين، وتجاهلوا العمال، واعتبروا ضحايا، ومن هنا أعيد النظر لأهمية التفكير في أطراف العملية الربحية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

المعالي كايده.. قصة شعب

04 ديسمبر 2019

الأرض التي نحميها

27 نوفمبر 2019