السبت 05 رجب / 29 فبراير 2020
03:20 م بتوقيت الدوحة

سياحة الشعراء

سياحة الشعراء
سياحة الشعراء
كانت سياحة الشعراء في ديار المحبوبة، وكان الوقوف على الأطلال كوقوف السياح لالتقاط الصور من المعالم الأثرية. ولكي يتركوا بصماتهم في الأمكنة التي عاثت بها الأزمنة الطويلة المتعاقبة، وتركها التاريخ لهم لتكون شواهد عيان على أوان بان، وعهد فان. وكذلك، عكف الشعراء على أطلال المحبوبة لالتقاط صور الديار التي لم تشغف قلوبهم جدرانها، كما قال أحدهم: «ولكنْ حُبُّ من سكنَ الدِّيارا «. فلولا ما فيها من عبق الذكريات، ومن أيام السعد، وعهد الوصال؛ لما استحقت دموعهم ولا خشوعهم.
ومن صور الأطلال اللافتة، ما صوّرته عدسة الحارث بن حلّزة اليشكري؛ إذ قال:
لِمَنِ الدِّيارُ عَفَوْنَ بالحُبْسِآياتُها كَمَهارِقِ الفُرْسِ
يا لروعة هذا التصوير الذي يأخذنا إلى ذلك الأمد الزمني الغابر، ويجلسنا ويجيل طرفنا ويستضيفنا فوق تلك الحجارة الضخمة، التي انفرط بناؤها فتناثرت كأنها مجلدات فارسية ضخمة سقطت من رفوفها، فكما تذخر تلك المجلدات بالعلم المكنون، أو الحساب المرقوم أو الأسرار الإمبراطورية المتراكمة، تذخر هذه الحجارة بذاكرة قوم عمروا سُقُفها المنهارة يوماً، وتفيّؤوا ظلالها، وآنسوها واختلطت أنفاسهم فيها، حتى غدت مهوى فؤاد هذا الشاعر الذي يناجي عشقه الحي في معالمها المندثرة ويستدعي ذاكرة الشباب من ردهاتها. وقد يشبه هذه الصورة الجميلة قول طرفة في ديار خولة:
لِخولةَ أَطلالٌ بِبرقةَ ثَهمُدِ
تلوحُ كبَاقِي الوَشمِ في ظَاهرِ اليَدِ
كم تساعدنا هذه الكلمات على رؤية ديار خولة ورسمها في العقل الباطن، واستجلاء صورتها في يومنا هذا كما كانت في يوم الشاعر ذاك، ففور رؤيتنا وشماً على يد عجوز، نتصور وشم الأطلال العتيقة على صفحة الأرض.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

بصيرة بشّار

23 فبراير 2020

الشنفرى

16 فبراير 2020

البحتري وبركة المتوكل

09 فبراير 2020

الشاعر الوصّاف

02 فبراير 2020

عدسةُ عنترة

26 يناير 2020

عدسة امرئ القيس

19 يناير 2020