الخميس 14 ربيع الثاني / 12 ديسمبر 2019
06:37 ص بتوقيت الدوحة

جهاز المخابرات في أرجوحة الثورة والدولة

جهاز المخابرات في أرجوحة الثورة والدولة
جهاز المخابرات في أرجوحة الثورة والدولة
يُعرف أن لكل دولة جهازاً للمخابرات، سواء أكانت الدولة تتبع نظاماً ديمقراطياً تعدّدياً أم نظاماً أحادياً شمولياً، باعتبار أن وجود الجهاز ضرورة بغضّ النظر عن طبيعة النظام في الدولة؛ لكن لوحظ أن جهاز المخابرات في السودان قد ارتبط في المخيّلة الشعبية بالنظام الشمولي وحده، حتى كاد يرسخ في العقل الجمعي الشعبي أن من شروط النظام الديمقراطي عدم وجود جهاز الأمن والمخابرات. هذا الفهم هو الذي يفسّر الضغط الجماهيري الذي مورس على مجلس الثورة بعد انتفاضة أبريل حتى اضطُر إلى حل جهاز الأمن، وهو ما عُدّ في ما بعد من الأخطاء الكبيرة. ومع ذلك، نادت أصوات عديدة بحل جهاز الأمن بعد سقوط نظام الإنقاذ، ثم جاءت واقعة عبّرت عن النفور الشعبي من الأمن، عندما أبدى كثيرون انزعاجهم من ظهور «أمنجي» -كما أسموه- ضمن الوفد المرافق لوزير العدل خلال اجتماعات مجلس حقوق الإنسان في جنيف؛ بل إن البعض زعم أن الرجل قد «تسلّل» إلى وفد الوزير تماشياً مع طبيعة وظيفته. فما سر هذا النفور الشديد الذي أدى إلى الدعوة لتنقية النظام الديمقراطي من أية صلة بالأمن، رغم حاجة النظام إلى هذا الجهاز الضروري؟
إن تأسيس جهاز الأمن في ظروف صراعات داخلية في ظل أنظمة غير ديمقراطية، يعرّض الجهاز لانحراف خطير، حيث يتم التطابق بين حماية النظام وحماية الوطن، فتصبح معارضة النظام قرينة للخيانة. وعليه، يكون من أوجب واجبات المخابرات ملاحقة المعارضين واعتبار المواطن الذي لا تتفق رؤيته مع رؤية النظام عدواً. هذا التصنيف الخطر حرم قطاعات شعبية عديدة من حقها في المواطنة، وأطلق يد المخابرات لتفعل ما تشاء بهؤلاء «الأعداء»، حتى بلغ التنكيل بالمعارضين مستوى لا يقبله أي تشريع إنساني.
بهذه الرؤية التي أدرجت المعارضة في قائمة الجرائم السياسية، لوحق في نظام مايو نخبة من أشرف وأنقى أبناء الوطن، فمات زعيم الاستقلال إسماعيل الأزهري سجيناً، وقُتل الإمام الهادي وعبدالخالق محجوب ومحمود محمد طه. وتبدو بشاعة التفكير الإقصائي أكثر وضوحاً بعد أن أصبحت تلك الأحداث جزءاً من التاريخ، حيث تكشف النظرة الموضوعية أن أفكار أولئك المظلومين لم تكن من السوء الذي يستحق بموجبه أصحابها القتل حسب دعاوى النظام، وأن إنجازات النظام ليست من الإعجاز بحيث لا يحققها إلا عباقرته. ولو افترضنا جدلاً عظمة بعض الإنجازات، فإن الثمن الباهظ المتمثل في حياة ساسة ومفكرين في قامة المذكورين، يفوق كثيراً -وبما لا يُقارن- قيمة إنجازات مثل رصف طريق أو بناء قاعة أو افتتاح مصنع.
أعاد نظام الإنقاذ تأسيس الجهاز بالفهم ذاته، غير معتبر بتجربة مايو، رغم أن قيادات إسلامية كانت ضحية لقمع جهاز الأمن في مايو. أُعيدت المشاهد ذاتها، فغادر رموز العمل الوطني وطنهم ليشكّلوا التجمع الوطني الديمقراطي في الخارج؛ حتى يتسنى لهم ممارسة نشاطهم السياسي المشروع بحكم أي دستور ديمقراطي. ولوحق من في الداخل بالتضييق والاعتقال في بيوت الأشباح وغيرها، التي لاقى فيها المعتقلون الأهوال، بما في ذلك القتل، بدءاً بمقتل الدكتور علي فضل، وانتهاء بمقتل الأستاذ أحمد الخير. وبين الحادثتين المؤسفتين، مئات القصص عن إذلال الأحرار والحرائر.
هذه الصور القبيحة هي التي خلقت النفور الشعبي من جهاز الأمن، حتى جعلت الجهاز عاراً على الديمقراطية، لا يجوز وجوده تحت مظلتها. يصحّح هذا المفهوم بالتأكيد على أن جهاز الأمن والمخابرات هو أحد أجهزة الدولة الحديثة، ولا مناص من وجود جهاز يختص بالمعلومات ما دامت المعلومة الصحيحة -خاصة في ما يتعلق بأمن الوطن وسلامته- هي أساس أي قرار صحيح. ويُعدّ كل مواطني الدولة -بمختلف توجّهاتهم الفكرية والسياسية- شركاء على قدم المساواة في وطن واحد، حيث يضطلع كل مواطن بدوره وواجبه.
ما زالت أنفاس الثورة الحارة تلهب وجه الدولة، التي لا يناسبها الإيقاع الثوري. فما أحوج الوطن -بعد أن تجاوز مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة- إلى خطوات تنظيم تضبط الإيقاع وتعدّل المسار.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.