الأحد 10 ربيع الثاني / 08 ديسمبر 2019
08:00 م بتوقيت الدوحة

إمكانية تعديل الوثيقة الدستورية

إمكانية تعديل الوثيقة الدستورية
إمكانية تعديل الوثيقة الدستورية
الدستور هو القانون الأعلى، لذا تكون نصوصه قواعد عامة عليا، تُفصّل في قوانين أدنى تنسجم بطبيعة الحال مع النص الأعلى الحاكم، ويشترط في الدستور التوافق والتراضي حتى يعبّر عن كل الأطياف، فيتحقق له الرسوخ والاستقرار الضروريين، وهو ما تحقق بالفعل لدساتير عديدة حتى لم يعد ببعضها حاجة إلى توثيق مكتوب.
بعد التوافق على الدستور، يكيّف المتوافقون أوضاعهم وبرامجهم على قواعد الدستور، ويصبح الدستور بلا قيمة إذا حدث العكس، بإخضاعه لأهواء قوى سياسية محددة أو أفراد، فيُعدّل كلما طرأت لصاحب الأغلبية مصلحة جديدة، ثم ينحدر إلى درك الابتذال عندما يُفصّل على حالة محددة، كما حدث عند الاستجابة لرغبة الرئيس السابق عمر البشير بالاستمرار في الحكم رغم النص الصريح في الدستور على عدم جواز ترشحه لدورة جديدة، أسرّ حينها البشير لخاصته برغبته في البقاء على كرسي الرئاسة، ليقود هؤلاء حملة إعادة «انتخاب» الرئيس، بدعوى أنه يمثل الضمانة الوحيدة لاستقرار الوطن، ولم يرد ذكر للدستور الذي يمثل استقراره الضمانة الحقيقية.
ومن أمثلة تفصيل الدستورعلى حالة محددة، ما حدث في سوريا عندما مات الرئيس حافظ الأسد قبل أن يبلغ ابنه الذي يُعده للخلافة الخامسة والثلاثين، وهو أحد شروط الرئاسة، كما يحددها الدستور السوري، فما كان من «ترزية» حزب البعث إلا أن فصّلوا شروط الرئاسة على مقاس نجل الرئيس الراحل، فعدّلوا الدستور ليتواءم مع عمر الأسد الابن، وفي تونس نصّ الدستور على الحبيب بورقيبة بالاسم رئيساً مدى الحياة.
مع كل هذه المحاذير من تعديل الدستور، لا بد من التنبيه إلى أن التعديل قد يكون ضرورياً في بعض الأحيان، وإلا لما نص الدستور في أحد بنوده على مادة تحدد كيفية تعديله، وعادة ما يكون التعديل -الذي لا يتكرر كثيراً- عند منعطفات ونقلات كبيرة يتوافق عندها الجميع على ضرورة التعديل.
على سبيل المثال، كان السودان دولة مركزية فتوافق أهله على الانتقال إلى الحكم اللا مركزي، فكان بالضرورة تعديل الدستور لينص على الحكم الإقليمي، بل إن تحقيق الاستقلال -أعظم إنجازات السودان الوطنية- قد تم عندما توافق أهل السودان على تجاوز اتفاقية الحكم الذاتي التي نصت على إجراء استفتاء في نهاية فترة الانتقال، لكن التوافق على الاستقلال جعل تجاوز خيار الاستفتاء أمراً واقعاً.
لكن لوحظ أن هذه القاعدة غير منطبقة على الوثيقة الدستورية في عرف كثير من الثوار، حيث يرون أن أية إشارة لتعديل الوثيقة -ولو دعت الضرورة- مساس بـ «قدسيتها».
كانت شكوك الثوار تحوم حول المجلس العسكري، باعتبار أن ثقتهم وقف على الشق المدني في الثورة، ولما أصبح الشق المدني جزءاً من السلطة الحاكمة، أريد له أن يشاكس الشق العسكري حتى يثبت التزامه بنقائه الثوري، لذا كان التوافق مع العسكري حول الوثيقة سبباً في تشكيك الثوار في ممثليهم، بعد أن أقلعوا عن المشاكسة واتفقوا مع العسكر.
لم يكن يسيراً على قادة «الحرية والتغيير» شرح أهمية التوافق للوصول إلى أي قرارات كبيرة، وما يستدعيه التوافق -الكلمة المفتاحية في هذا المقال- من تنازل هنا وهناك، فصارت قيادات «الحرية والتغيير» تهمس بالتعديل بعد أن تأثر القادة بحملات الترهيب التي ينظمها الثوار مهددين بمليونية ضد ما يعتبرونه انحرافاً عن مسار الثورة، وصعب على قادة «الحرية والتغيير» القول، إن الوثيقة ليست غاية بل وسيلة لتحقيق أهداف الثورة، فإذا أعاق نص تحقيق هدف، فلا بد من تعديل النص أو إلغائه من أجل الغاية، وقد حدث هذا بالفعل، وقد يحدث مجدداً إذا ما استجد ما يوجب التعديل أو الإلغاء بإجماع طرفي الاتفاق، فهل نالت الوثيقة الدستورية حصانة ضد التعديل ولو أجمع المدنيون والعسكريون على ضرورة التعديل؟! يا لها من قداسة!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.