الخميس 17 صفر / 17 أكتوبر 2019
06:47 م بتوقيت الدوحة

النجاح الحقيقي

النجاح الحقيقي
النجاح الحقيقي
العمل لا ينتهي، والالتزامات في ازدياد، فضلاً عن مشاغل وإجراءات وأمور بعضها فوق بعض، حتى غدا لسان حالنا يصدح باستمرار: «زحمة، زحمة، زحمة». حقاً هو «لهاث مسعور»؛ إنه لهاث لا يعقبه إلا التعب.

وفي السياق نفسه، أسترجع ذكرى مرت بي حينما كنت في الحرم المكي قاصدة أداء العمرة، وقرع جرس التنبيه باب أسماعي وكأنه يدعوني إلى سماع خطبة الجمعة. وكان الخطيب حينها يفسّر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ». سمعته وكأنني أسمعه أول مرة، على الرغم من تدريسي إياه في مقرر التربية الإسلامية بالمدرسة. استوقفني جزم الفعل المشروط ثم معنى الحديث، وتذكّرت ما تكرّره أمي على مسمعي دائماً: «الله يحفظك مع زحمة أشغالك إلّي ما تنتهي». ومن يعرفني كان يكتفي بالقول: «الله يحفظك».

كم يعتصرني شعور الإحساس بتأنيب الضمير عندما أتأمل نفسي فأجدها غارقة في بحر الأمنيات والسعي وراء تحقيق ما يجعلني أتفوق على غيري، أجري وأتعب وأُرهَق، ولا أقف؛ بل أمضي بلا هوادة، غير مصغية إلى من حولي حينما يقولون: «ما نعرف ليش تسوّي بروحها كذا».

والله إن الحياة أسهل مما نظن ونتخيل؛ فنحن من نصعّبها ونضع العقبات في الطريق، ولا أجلّ من مبدأ ما وصّانا الله به ورسوله في الحديث الشريف: «احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ»، ولا أجمل من حفظ الله.

ويكمن النجاح الحقيقي في نجاح أنفسنا، وفي مدى رعايتنا إياها واحتوائها وتحقيق توازنها. لذلك، ووسط هذا الزحام، عقدت العزم على قطع عهد جديد مع نفسي يقوم على التركيز في نفسي فحسب، وعدم الالتفات إلى غيري؛ فكفاني ما يقع على كاهلي من أعباء. وفعلاً، توقفت عن هذه الحماقة، وقمت بشيء واحد فحسب، أتعرفون ما هو؟ إنه التركيز والتصويب نحو الهدف، ومعرفة الأهم، فالمهم، والأوجب، والواجب، والأصلح، والصالح... وهكذا.
توزيع العبء بتكليف من أثق بقدراتهم وأخلاقهم بالقيام به، والثقة في هذا السياق أمر ضروري؛ حتى لا يتولد عنصر القلق بأن من وُكّل إليه العمل قد لا يتقنه أو لا يجيده أو لا يقوم به كما يجب.

لقد ثبت لي أن مجريات الأمور في حالة ازدحامي تجري كما تجري حالة هدوئي؛ فالكرة الأرضية لم تتحرك من مكانها، ونسبة الماء أو اليابس لم تتغير في الطبيعة، ولم ينقلب الزمان والمكان؛ بل على العكس من ذلك، فعندما أصبحت هادئة وأنال منالي من غرف العلم وارتشاف المعرفة الحقة وحفظ الوقت بما ينفع الذات والروح، كان -قطعاً- أفضل، وكان مكسباً لا يضاهيه مكسب.

لذلك كله، علينا أن نقرر جميعاً، اليوم وليس غداً، أن الحياة ستستقيم، وأن الأمور كلها ستمضي، ولا داعي لمشاغل يمكن تأجيلها أو تخفيفها أو توكيلها إلى من يُوثق بهم أو تفويضها إليهم. وما دام أحدنا يغذّي روحه بغذائه، ويغذّي العقل بغذائه، وينتفع بما ينفعه، ويصاحب الأخيار، فسيهدأ منه البال، ويدان كذلك الحال، من دون تهويل ومن دون صال جال، وقيل وقال، وحتماً سيحقق بإذن الله المنال.

فالعمل لا ينتهي، والمشاغل في ازدياد. وفي المقابل، لو أهملنا ما يريحنا ويملأ جعبتنا بالمنافع، فسوف نخسر أرواحاً ونكسب أجساداً متعبة لا روح فيها ولا حركة. وربما لو أصابها أمر، لسقطت ولم تستطع الوقوف.

ختاماً، أذكّركم ونفسي بأن عجلة الحياة تسحبنا إلى ما يكدّر أنفسنا؛ ولكن علينا أن نذكّر أنفسنا دوماً بأن القرب من الله هو ما يحفظنا، وأن القرب منه هو المذاق الطيب للحياة، وفيه وحده الفلاح والنجاح.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

سياحة الشعراء

13 أكتوبر 2019

مفتاح الاستعداد

06 أكتوبر 2019

الهزيمة الداخلية

29 سبتمبر 2019

الكلمة الطيبة

15 سبتمبر 2019

أسعِدْ نفسك

08 سبتمبر 2019

ما أروع الصديق!!

31 أغسطس 2019