الخميس 17 صفر / 17 أكتوبر 2019
06:29 م بتوقيت الدوحة

لا تلوموا الاقتصاد.. بل السياسة العامة (1-2)

لا تلوموا الاقتصاد.. بل السياسة العامة (1-2)
لا تلوموا الاقتصاد.. بل السياسة العامة (1-2)
بات من المعتاد الآن إلقاء اللوم على علوم الاقتصاد وخبراء الاقتصاد عن العديد من أمراض العالم وعلله، ويعتبر المنتقدون النظريات الاقتصادية مسؤولة عن اتساع فجوة التفاوت، وندرة الوظائف الجيدة، والهشاشة المالية، وانخفاض النمو، بين أمور أخرى، لكن، برغم أن الانتقادات ربما تحفز أهل الاقتصاد وتحملهم على بذل قدر أعظم من الجهد، فإن الهجمة المركزة ضد المهنة عملت دون قصد على تحويل الانتباه بعيداً عن ذلك الفرع من المعرفة، الذي ينبغي له أن يتحمل قدراً أعظم من اللوم، السياسة العامة.

الواقع أن الارتباط وثيق بين الاقتصاد والسياسة العامة، لكنهما ليسا الشيء نفسه، ولا ينبغي لنا أن نعتبرهما كذلك، تمثل علوم الاقتصاد للسياسة العامة ما تمثله الفيزياء للهندسة، أو البيولوجيا للطب، في حين تشكل الفيزياء عنصراً أساسياً في تصميم الصواريخ التي يمكنها استخدام الطاقة لتحدي الجاذبية، فإن إسحاق نيوتن لم يكن مسؤولاً عن كارثة مكوك الفضاء تشالنجر، ولم تكن الكيمياء الحيوية مسؤولة عن وفاة مايكل جاكسون.
تجيب علوم الفيزياء والبيولوجيا والاقتصاد على أسئلة حول طبيعة العالم الذي نسكنه، فتولد ما يسميه المؤرخ الاقتصادي جويل موكير من جامعة نورث ويسترن معرفة اقتراحية، من ناحية أخرى، تجيب الهندسة والطب والسياسة العامة على تساؤلات حول كيفية تغيير العالم على النحو الذي يؤدي إلى ما يطلق عليه موكير مصطلح "المعرفة التقادمية".

ورغم أن كليات الهندسة تدرس الفيزياء وكليات الطب تعلم البيولوجي، فإن هذه التخصصات المهنية نمت منفصلة عن علومها الأساسية في العديد من النواحي، ومن خلال تطوير معايير التميز، والمناهج، والمجلات، والمسارات المهنية الخاصة بها، أصبحت علوم -مثل الهندسة والطب- أنواعاً متميزة. على النقيض من هذا، لم تخضع مدارس السياسة العامة لتحول مماثل، وكثير منها لا توظف أعضاء هيئة التدريس العاملين لديها، بل تستخدم بدلاً من ذلك أساتذة في مجال العلوم الأساسية، مثل: الاقتصاد، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، أو العلوم السياسية، وتتمتع كلية السياسة العامة في جامعتي هارفارد بمجموعة ضخمة من أعضاء هيئة التدريس، لكنها تقوم في الغالب بتوظيف حاملي شهادات الدكتوراه في العلوم الأساسية، وترقيهم على أساس منشوراتهم في المجلات الرائدة في هذه العلوم، وليس في السياسة العامة. إن اكتساب الخبرة في مجال السياسة العامة قبل تولي منصب مهني أمر نادر، ولا يلقى التشجيع، وحتى أعضاء هيئة التدريس -الذين يشغلون مناصب ثابتة- درايتهم بالعالم محدودة بدرجة مذهلة، بسبب ممارسات التوظيف السائدة والخوف من أن تنطوي المشاركة خارجياً على مخاطر تتعلق بسمعة الجامعة، وللتعويض عن هذا، تستأجر مدارس السياسة العامة أساتذة ممارسين، مثلي، والذي اكتسبوا خبرة مسبقة في مجال السياسة في مكان آخر.

من الناحية التعليمية، قد يتصور المرء أن مدارس السياسة العامة قد تتبنى نهجاً مماثلاً لذلك الذي تعتمده مدارس الطب، ففي نهاية المطاف، يُستَدعى المتخصصون في الطب والسياسة العامة لحل مشكلات، وهم يحتاجون إلى تشخيص أسباب المشاكل، وهم يحتاجون أيضاً إلى فهم مجموعة من الحلول الممكنة، والتعرف على الإيجابيات والسلبيات لكل منها، وأخيراً، يتعين عليهم أن يعرفوا كيفية تنفيذ حلولهم المقترحة، وتقييم مدى نجاحها.

مع ذلك، تقدم أغلب مدارس السياسة العامة برامج ماجستير لمدة سنة واحدة أو اثنتين، ولديها برامج صغيرة للدكتوراه، في ظل بنية مماثلة عادة لتلك في العلوم، والمقارنة هنا ليست لصالحها في مقابل الطريقة التي تدرب بها مدارس الطب الأطباء، وتدعم فرعهم المعرفي.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.