الإثنين 14 صفر / 14 أكتوبر 2019
02:11 م بتوقيت الدوحة

السودان.. ليست مفاوضات بل محادثات بين حلفاء!!

السودان.. ليست مفاوضات بل محادثات بين حلفاء!!
السودان.. ليست مفاوضات بل محادثات بين حلفاء!!
وفاء بالالتزام الذي طرحه رئيس الوزراء بإعطاء السلام الأولوية في أجندة حكومته مباشرة بعد أدائها القسم، انعقدت مطلع هذا الأسبوع لجنة مصغّرة ضمّت أعضاء من مجلس السيادة العسكريين والمدنيين وممثلين لبعض معاهد السلام في الجامعات، للتحاور حول هياكل مفوضية السلام المقترحة وصلاحيات المفوضية وإجراءات عملها، وفرغت من مهمتها قبل نهاية الأسبوع توطئة لإعلان تشكيل المفوضية، الذي سيعهد لها بالإشراف على إدارة الحوار حول السلام.
نقول: «إدارة الحوار»، ولا نقول: «التفاوض»، لأن التفاوض إنما يكون بين طرفين متواجهين وليس ثمة مواجهة بين طرفي عملية السلام في السودان تحت الظروف الحالية، إذ أجمعت كل الحركات الحاملة للسلاح على إعلان ثقتها بالحكومة الجديدة، خاصة وأن العديد من هذه الحركات أعضاء فاعلون في تحالف الحرية والتغيير الذي يشكل الحكومة الراهنة، فالحوار -إذن- يدور بين حلفاء، وهذا تغيير كبير في منهج الوصول للسلام الشامل في السودان، لا بد أن تكون له تداعياته على سير المحادثات وعلى الاستراتيجية التي تحكم تلك المحادثات، بل وعلى النتائج المتوقع الوصول إليها، وأول هذه المتغيرات هو ألا يكون الحديث عن السلام مرتبطاً باقتسام المناصب، وهذا خلل صاحب مفاوضات السلام في السودان منذ جعلنا قاعدتها الأساسية «اقتسام السلطة»، وفسرنا ذلك بالمحاصصة في الوزارات والمناصب الدستورية، المطلوب هو العدالة والإنصاف في اقتسام التنمية والخدمات، والمشاركة الكاملة للمواطنين كافة في صناعة القرار وفي إدارة شأن الدولة، وليس اقتسام المناصب بين الصفوة الحاكمة، وهذا الضرب من العدل والإنصاف هو الذي يخاطب جذور المشكلة، ويضمن جماعية المشاركة، ويقضي على ظاهرة التهميش، ويوفر الفرص المتكافئة للجميع.
وإذا اعتمدنا هذه القاعدة الذهبية كمدخل لحل جذري لأزمة الحكم في السودان، سيترتب على ذلك أن نسعى لأن نتفق على نظام الحكم الذي يمكن أن يؤدي هذه المهام بجدارة، هل هو النظام الفدرالي؟ أم النظام الذي يقوم على الحكم الذاتي؟ أو النظام اللا مركزي الذي يخوّل السلطة لكل مستوى من مستويات الحكم حسب قدراته وإمكاناته؟ وما الضمانات التي تحمي ما نتفق عليه حتى لا يلتف عليه حاكم أو يتنكر له نظام حكم؟ وكيف نوفر لذلك النظام من المرونة ما يجعله يستوعب كل التنوع العرقي والديني واللغوي والثقافي والاجتماعي الذي يزخر به السودان، خاصة وأن الفشل في إدارة هذا التنوع كان من الأسباب الرئيسية لنشوب الحروب الأهلية والصراعات المسلحة في بلادنا.
وإذا كان هذا هو مدخلنا لمعالجة جذور الأزمة وتحقيق السلام العادل، فلا بد أن يكون أحد مكونات الحل هو العدل والإنصاف في اقتسام وتنمية ثرواتنا الطبيعية، فالاقتصاد السوداني ظل قبل وبعد الاستقلال تقليدياً، لم يتعامل إلا مع قشور التقنيات الحديثة، وحتى التقنيات القليلة التي أدخلت دائرة الإنتاج في السودان ظلت تعمل داخل المثلث النيلي الذهبي، ولم تنتشر إلى الأطراف لتحيي موات الأرض هناك وتحرك ساكن الحياة في الريف، فأصبح الريف طارداً وأهله يعيشون في فقر مدقع، فكان هذا مما دفعهم لحمل السلاح، وأي حل جذري لأزمة الحرب لا بد أن يتطرق إلى التنمية العادلة والمستدامة التي تطال الجميع، وإلى المعاملة التفضيلية التي تسعى لمعالجة أثر الخلل التاريخي الذي أورثنا هذا الواقع المأزوم، وهذا الإحساس الطاغي بالظلم الاقتصادي والاجتماعي الذي يزيد نيران الصراع اشتعالاً، وقد صاحب الظلم التنموي ظلم في تقديم الخدمات وفي مقدمتها الصحة والتعليم، والتمييز الإيجابي لصالح المناطق المهمشة والمناطق التي عانت من الحروب والنزوح واللجوء، لا بد أن يكون جزءاً من محادثات السلام التي ستنطلق عما قريب، والتي ستختلف كثيراً عن المحادثات السابقة، ولهذا السبب فهي أكثر صعوبة وأكثر اتساعاً، ولكنها تدور تحت أجواء مبشّرة تدعو للتفاؤل، لأنها محادثات تدور بين حلفاء!!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.