الجمعة 20 محرم / 20 سبتمبر 2019
01:58 ص بتوقيت الدوحة

‏شهادة عن قرب بحق الدكتورة حنان الكواري:

«قطر الصغيرة».. ودرس الوزيرة

الأربعاء، 11 سبتمبر 2019
وزيرة الصحة
وزيرة الصحة

(1)
كلما حققت قطر نجاحاً في مجال ما -وما أكثر ما تحققه في مختلف الميادين- فإن الكارهين لهذا النجاح لا يجدون ما يقذفونها به سوى الحديث عن مساحة قطر وعدد سكانها، يظنون أنهم بمقذوفات كلمات فارغة المضمون وبحركات صبيانية تفتقد النضج السياسي، سيلقون «كرسياً» يطفئ قناديل الفرح القطري.

(2)
اللافت في الأمر أنهم في جهل عصامي بالتاريخ وتطوراته، يعتبرون أن صغر المساحة وقلة عدد السكان هو سُبّة في جبين الدول، هم لا يدركون أن المعادلات الدولية تغيّرت، ولم تعُد الدول المؤثرة هي كثيرة السكان عظيمة المساحة، وإنما بما تملكه من مقومات سياسية واقتصادية ورؤية للتعليم والتنمية، وهو ما ينطبق على دول مثل قطر، وسنغافورة، وهونج كونج، وغيرها.
لا داعي هنا للتذكير بدور قطر في الوساطة بالعديد من ملفات بؤر التوتر على مستوى العالم، ولا بتحوّل الدوحة إلى عاصمة للمؤتمرات والرياضة العالمية، وكل هذا نتيجة الدور المؤثر للدولة، كما أن جهلهم يتبدى في عدم معرفتهم بمساحة قطر، وهي مثلاً أكبر من مساحة لبنان التي لا يعايرونها بصغر مساحتها!
وقبل هذا وبعده، فإن القطريين أنفسهم، خاصة كبار مسؤوليهم، لا يقولون إنهم دولة عظمى مساحة وسكاناً، أتذكر عندما فازوا قبل نحو 9 سنوات بشرف تنظيم كأس العالم 2022، قالوا إنه سيكون مونديال العرب، وإن قطر دولة صغيرة لكنها تنتمي لأمة عربية عظيمة.

(3)
إن «قطر الصغيرة» تقدم بين الحين والآخر درساً كبيراً، الحديث يطول عن كيفية إدارة أزمة الحصار بمفهوم «دولة» تراعي مصالح شعبها، وتفهم كيف تخاطب المجتمع الدولي بلغة العصر والقانون، وتضع خططاً بديلة للتغلب على أي أمر قد يعيق تنفيذ مشروعاتها الطموحة، خاصة ما يتعلّق بالبنية التحتية ومنشآت «مونديال العرب»، لكن الدرس الذي لمسته بشكل مباشر هو كيفية النظرة للمنصب في هذا البلد، والذي لم يعُد -كما العادة في محيطنا العربي- وسيلة لـ «الوجاهة والاستفادة».
مؤخراً، كنت مع أسرتي في مستشفى الرعاية اليومية الطبية، أحد أركان مدينة حمد الطبية العملاقة، لمتابعة كشف دوري سنوي.
أمام أحد مصاعد المستشفى، كانت تقف تتكلم مع ضيف أجنبي وبعض المسؤولين في المدينة الطبية، لقد عرفتها، إنها الدكتورة حنان محمد الكواري وزيرة الصحة العامة، التي تتولى أحد الملفات المهمة جداً بالدولة. في العالم المتقدم يقيسون تصنيف أي دولة في معيار الترقي والصعود بما تقدمه لشعبها وسكانها من تعليم وخدمات صحية.
اندهش أولادي أن مشهد الوزيرة كان مختلفاً عما هو راسخ في خيالهم عن الوزراء والمسؤولين العرب «وأغلبه صحيح»، فلم تكن واقفة وأنفها في السماء في غرور وتكبّر، كما لم يكن برفقتها «قبضايات» ضخام الأجساد يحملون أجهزة اللاسلكي، وزيادة في الأهمية المصطنعة والهالة الكاذبة حول المنصب الوزاري، يرتدون نظارات سميكة سوداء حتى لو في عزّ الليل، وليس هناك أيضاً تابعون يخلون الطريق أمام سعادة الوزيرة، التي كانت تقف بتواضع وتتكلم في هدوء وعلى وجهها ابتسامة طيبة.
انفتح باب المصعد، أفسحتُ لها الطريق مع الضيف الأجنبي، ولم أكن أنوي استخدام المصعد نفسه مع المسؤولة الرفيعة وضيوفها، لكنها قالت لي ولأسرتي: «تفضلوا»، وسألني أحد مرافقيها بذوق عن الطابق الذي نريد، كانت لفتة طيبة توضّح معدن الدكتورة حنان الكواري ومن معها.
لا أحب التعميم وصبغ صفة من الصفات على شعب بأكمله، البشر يختلفون ويتمايزون، لكن هذا لا يمنع من القول: إن السمة الغالبة في المجتمع القطري هي التواضع، ويكون للتواضع أهمية ورمزية ودلالة حينما يأتي من «الكبير» قامة وقيمة.
أثناء الصعود، سألتني الدكتورة حنان: هل أنت زائر؟
أجبتها: «نعم .. وأنني صحافي»، ولم أذكر اسمي، فقط قلت: «الحقيقة أن جهودكم يشهد بها المقيم قبل المواطن»، وهنا ردّت وعلى وجهها الابتسامة الطيبة نفسها: «نحن في خدمتكم».
لم تسعفني الذاكرة سوى بعبارة عفوية تعقيباً على ذوقها ورقيّها الشديدين: «ربنا يخليكي».
(4)
إن هذا اللقاء العابر، وتلك الكلمات غير المصطنعة من وزيرة تتولى ملفاً مليئاً بالتحديات تراهن عليه قطر وقيادتها في نهضة شعبها ومن يعيش على أرضها، يكشفان عن ثقافة عامة في الدولة تجاه المنصب، ونظرة الدكتورة حنان الكواري بشكل خاص لموقع المسؤولية، إنه ببساطة ليس ترفاً، لكنه التزام أساسه خدمة الناس، لذا ليس غريباً والحال هكذا، أن يحقق قطاع الصحة القطري نجاحات كبيرة، وينال شهادات دولية عديدة، بمرافق عملاقة قلّ نظيرها في منطقة الشرق الأوسط وكثير من دول العالم، وخدمات مجانية أو شبه مجانية تقدم للمواطن والمقيم على حدٍّ سواء، وحتى تكتمل الصورة وتكون أحلى فلا بد أن سعادة الوزيرة تضع في حسبانها وضع حلول لشكاوى متجددة، مثل طول فترة انتظار مواعيد بعض العيادات كالأسنان وغيرها.
حقيقة، إن الدكتورة حنان الكواري بهذه الروح قدوة لأولادنا، وأي إنسان يتمنى أن يرى ابنته مثلها، متواضعة قبل أن تكون ناجحة، وأكاديمية إنسانة قبل أن تكون وزيرة خدومة.
«ملحوظة: لم أشأ ذكر اسمي لأنها شهادة لله -لا يهمّ ذكر قائلها من عدمه- بحقّ مسؤولة راقية نأمل أن نراها قاعدة في عالمنا العربي وليست استثناء!»

كاتب عربي مقيم بالدوحة
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.