الخميس 19 محرم / 19 سبتمبر 2019
12:43 ص بتوقيت الدوحة

«تابو الوهم» صناعة سياسية خاسرة

«تابو الوهم» صناعة سياسية خاسرة
«تابو الوهم» صناعة سياسية خاسرة
في السياسة تتعامل مع الممكن، والممارسات السياسية اجتهادات بشرية تحتمل الخطأ كما الصواب، وليست «تابو» محرّماً لا يمكن التراجع عنه أو مراجعته وتصحيحه.

بعض الخيارات السياسية تحتمل النجاح في ظروف معينة، وبعضها يحقق نتائج ضمن معيار زماني محدد، وباعتبار عامل الوقت تكون التكلفة الناتجة عنها أكبر من المرجوة منها.

أحياناً يجب عليك أن تختار أقل خسارة، إن كانت الظروف والمعطيات تقودك إلى خسارة أكبر. لا تربح دائماً في السياسة، وقد لا تربح من أول جولة. ومن المهم أن تكون هناك مراجعات دورية لكل قرار يُتخذ.

ليس عيباً ولا محرّماً إعلان الفشل والتراجع إن كنت تسير إلى الهاوية أو في نفق لا تعرف مداه ولا نهايته، انتظار الضوء في آخر النفق مع جهالة مطلقة لطوله وامتداده وجهالة ماهية نهايته، يصلح أحياناً للأفلام والروايات الحالمة لا للواقع.

الواقع مبني على القرائن والمعلومات والنصوص الواضحة، ويحتاج إلى طول تفكير وأخذ الحسابات البشرية بعين الاعتبار، والتعامل وفقها لا فوقها، وفيما يتبقى يكون توفيق الله.

من البديهي أن التوكل يقتضي الأخذ بالأسباب، أما التواكل فهو فهم خاطئ للتوكل يُعتقد فيه أنه بمجرد صلاح النية والمقصد تحصل النتائج المرجوة. إذا رأيت شخصاً يغرق وسط البحر وقفزت إلى البحر بنية صادقة لإنقاذه دون أن تمتلك مهارة السباحة ستغرق معه، وسيقول بعض الناس وقتها كان صاحب نية طيبة، وآخرون سيقولون «مغفّل».

والإيمان وحده دون عمل لا يكفي، لطالما ارتبط الإيمان بالعمل الصالح. الإيمان بدون عمل ادعاء، والعمل بدون إيمان هباء.
يوجد فرق بين ما هو من صلب الإيمان والعقيدة وما هو نتاج الاجتهاد البشري، بعض السياسيين من أمتنا يخلطون بين هذا وذاك، فلا يستسيغ أحدهم التراجع عن خيار اختاره واجتهاد اجتهده كما لو كان وحياً من السماء، والبعض لديه مبادئية مبالغ فيها تجعله لا يستطيع التمييز بين التعامل والاعتقاد.
وينبغي أن تترسخ قناعة لدى المسؤولين بأن السياسة علم، كغيرها من العلوم، يتأتى جزء منها بالممارسة وجزء آخر بالقراءة والتعلم، وتتطلب التخصص، ولا يشترط في القائد أو المسؤول أن يكون خريجاً من كلية سياسية، لكن يجب أن يحيط نفسه بعدد من الممارسين للسياسة والمختصين.

سياسة العباد والبلاد ليست ضرباً من ضروب الهزل واللهو، ولا تخضع للتجريب المجرد، بل للتخطيط والتدبير الدقيق والمراجعة. فكما أن الطبيب يعالج مريضه بعد دراسة مستفيضة لحالته وفق معرفة مسبقة ويعطي أحياناً أدوية لفترات محددة ويختبر نتائجها ولا يتردد في تغييرها إن ثبت له أن الأدوية تعطي مضاعفات أخطر ولا تحقق النتائج المطلوبة، لأنه إن ترك المريض دون متابعة تتفاقم حالته ويتسبب له بمشكلات جديدة دون علاج المشكلة الأولى؛ فكذلك على السياسي أن يفعل الشيء نفسه، لا أن يترك الحالة بل أن يراجعها باستمرار.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.