الخميس 19 محرم / 19 سبتمبر 2019
12:41 ص بتوقيت الدوحة

«كورديليا».. الحب الحقيقي

«كورديليا».. الحب الحقيقي
«كورديليا».. الحب الحقيقي
كان الملك لير ملك بريطانيا قد كبر في السن وأراد أن يستريح، فقرر أن يتنازل عن ملكه لبناته الثلاث: الكبيرة «جونوريل»، والوسطى «ريجان»، أما الصغرى « كورديليا».

استدعى الملك لير بناته الثلاث، وطلب من كل واحدة منهن أن تعبّر عن مدى حبها له، ولأن البنت الكبرى جونوريل كانت على قدر كبير من المكر والدهاء وتنميق الكلمات، فقد قالت إنها تحب أباها بما تعجز الكلمات عن وصفه، وإن أباها أعزّ من عينيها وحريتها وحياتها كلها، فأعجب بكلام ابنته الكبرى، ووهبها ثلث مملكته.

قامت ريجان بتملّق أبيها مثل أختها، فوهبها أيضاً ثلث المملكة الثاني. أما كورديليا البنت الصغرى، فعلى الرغم من أنها الأكثر حباً لأبيها ولكنها لم تكن تقدر على النفاق والتزلف، ولذلك أخبرت أباها أنها تحبه كما تحب كلّ بنت أباها؛ حيث قالت له: «يا لبؤسي. أنا لا أستطيع أن أضع قلبي في فمي.

إنني أحب جلالتك بقدر ما تمليه عليّ صلتي بك وواجبي نحوك، لا أكثر، ولا أقل». لكن لير لم يفهم أن تحبه كورديليا بهذا القدر، واعتبر كلامها «غير العاطفي» إهانة، فتبرّأ من ابنته ونفاها خارج مملكته، وحرمها من نصيبها، وقام بتقسيم المملكة مناصفة بين ابنتيه جونوريل وريجان.

وكان ما تلا ذلك مأساة كاملة لقصة الملك لير وبناته الثلاث، كإحدى كلاسيكيات الأدب العالمي وروائع الكاتب المسرحي ويليام شكسبير؛ حيث اختتمها الأخير بإجهاز عقوق الابنتين وجشعهما على كل ما تبقى من هيبة أبيهما الملك وسلطاته، ودفعتا به مباشرة إلى الجنون. وفي النهاية، كانت كورديليا المنفيّة المعاقَبة فقط هي التي عادت من المنفى لتُسعف أباها المطرود. وعندما استعاد لير وعيه قليلاً ليعرف من هي كورديليا وما هي حقيقتها، كان المتآمرون قد قتلوها في السجن وتركوا أباها مع الحسرة قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.

طريقة الحب الحقيقي الذي أبدته الابنة كورديليا بعد أن وضعت قلبها في يدها وليس في فمها، يصلح لأن يكون معياراً لاختبار عاطفة الآخرين. وهي -بلا شكّ- رسالة لكلّ من يقوم باستثمار لسانه في تعسيل حلو الكلام وإجادة صنعة بيع الكلام الجميل المنمّق بالخبث والرياء، في محاولة لاستقطاب «الفريسة» بكل دهاء، وغالباً ما ينجحون لفترة وجيزة لكسب الغنائم بأي ثمن وتحت أي شعار!

فاصلة
صاحب الكلام المعسول عادة ما يكون فعله غير منطبق مع كلامه الزائف.. وكورديليا لم تمتلك هذه الصفة، ولم تستطع تسويق بضاعة بيع الكلام وتنميقه لأبيها المهووس بالإطراء وسماع ما يعجبه.. وما أكثر أولئك الذين هم على شاكلة «الملك لير» الذين يخطفهم الكلام الزائف ويطربون للمدّاح المحترف. فالمشاعر الإنسانية الحقيقية أغلى من جميع الكلمات، وهذا ما غاب عن ابنتَي الملك اللتين قفزتا من السفينة الغارقة بعد أن ملأتها الثقوب من الكلام المعسول والتزلف والحب المزيف.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا