الأربعاء 13 رجب / 20 مارس 2019
06:28 م بتوقيت الدوحة

الكويت.. قلق وجمود سياسي

سعد السعيدي

الثلاثاء، 21 يونيو 2011
الكويت.. قلق وجمود سياسي
الكويت.. قلق وجمود سياسي
«إلى أين نحن اليوم ماضون وماذا يراد بكويتنا الغالية».. سؤال يتردد في ذهن كل كويتي مخلص لوطنه بعد أن بلغ السيل الزبى وأصبح الجميع رهين مشاعر القلق والإحباط. هذا التساؤل جاء في خطاب أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الأخير، بعد عودته قبل أسبوع من رحلة علاجية لإجراء فحوصات طبية تكللت -لله الحمد- بالنجاح، تساؤل لا يزال المراقبون عاجزين عن فك طلاسمه أو القدرة على الإجابة عليه، لاسيَّما أن البلاد تدور منذ سنوات في سلسلة من الأزمات حلقاتها متماسكة، فما إن تنتهي حلقة منها حتى تدخل في الأخرى لتكمل مسيرة سابقتها بينما تستعد اللاحقة للولوج في الدوامة، وهكذا، حتى وصل الأمر في الكويت إلى ما يشبه الجمود أو الانسداد السياسي الذي يحتاج إلى درجات عالية من الحماسة للتعاون بين السلطتين (الحكومة والبرلمان) لأجل صهر هذا الجمود وتوقف تلك الدوامة التي أتعبت الكويتيين كثيرا. الديمقراطية التي يتمتع بها هذا البلد الصغير المحاط بدول ذات ثقل وتأثير كبير في موازين السياسة الدولية، تسير على خطى أشبه ما تكون بسير رجل السيرك على خيط رفيع مربوط في قمة بنايتين لأجل الوصول إلى الزاوية الأخرى بأمان، فحين يتطلع الكويتيون شرقا تكون الجارة إيران وشمالا العراق... وما أدراك ما العراق بالنسبة للكويتيين حيث لا يزال التوجس قائما والثقة لا تزال غير مكتملة لاسيَّما في ظل تصريحات تخرج بين الفينة والأخرى من بعض المسؤولين سواءً في الحكومة أو البرلمان تطالب بإلحاق الأذى بالكويت لتسببها بمآسي العراقيين على حد زعمهم، ناهيك عن أولئك الذين لا يزالون يتحدثون بخطابات التسعينيات والتي تتحدث عن أصول وفروع، أما من جهة الغرب والجنوب بالنسبة للكويت فالمملكة العربية السعودية التي تعرضت في الفترة الأخيرة إلى هجوم من بعض الصحف الكويتية لاسيَّما المحسوبة على الشيعة، الأمر الذي استفز بالطبع الطائفة السنية التي أعادت وفقا لرؤيتها هذا التطاول إلى التراخي الحكومي أو التحالف مع الشيعة على حساب السنة، والذي يتمثل بشكل واضح في البرلمان من خلال وقوف نواب الشيعة في الصف الحكومي باستثناء النائب حسن جوهر الذي تعرض هو الآخر لهجوم من قبل طائفته لاسيَّما بعد أن صوت بالموافقة على عدم التعاون مع رئيس الحكومة بخلاف تصويت البلوك الشيعي. لا شك أن الأحداث التي تمر بها المنطقة تنعكس على دولها، والكويت ليست استثناء، فما جرى في البحرين من أحداث وتظاهرات تطالب بإصلاحات سياسية، اختطفتها بعد ذلك قلة مؤدلجة أثارت عليها الشارع الخليجي، خلق حالة من الاصطفاف الطائفي لم تشهده الكويت على مر تاريخها، لما للعلاقة المميزة بين المواطنين من الطائفتين حتى إنك لا تشعر بأن جارك أو صديقك من هذه الطائفة أو تلك، بسبب التسامح والتعايش الذي يعيشه الكويتيون فيما بينهم، إضافة إلى تلاحمهم وتكاتفهم حين تدلهمّ عليهم المصائب والأزمات العظيمة، وهذا ما تجسد بشكل أذهل العالم حين وقف الكويتيون جميعا أمام الغزو العراقي لبلادهم قبل عشرين عاما، كل ذلك جعل الجميع يشعر بالقلق على مستقبل الدولة الصغيرة والذي لم يُخفِه أمير البلاد في خطابه حين قال «إنني أشارككم مشاعر القلق والاستغراب إزاء ما تشهده الساحة المحلية من أحداث وممارسات بالغة السوء والضرر ولعلكم تتابعون معي ما يجري تحت قبة البرلمان من ممارسات تخرج عن إطار الدستور وتتجاوز مقتضيات المصلحة الوطنية تتسم بالتعسف وتسجيل المواقف وتصفية الحسابات والشخصانية المقيتة». لعل الاستجواب الأخير وهو العاشر الذي تعرض له رئيس الوزراء الشيخ ناصر المحمد الصباح منذ تكليفه برئاسة الحكومة في عام 2006، والذي انتهى بتقديم ورقة عدم تعاون مع رئيس الحكومة، والمتعلق بسياسة حكومته الخارجية لاسيَّما في تراخيها -كما جاء على لسان المستجوبين- مع الجمهورية الإيرانية، واستقبالها لوزير الخارجية الإيراني في خضم الأحداث والتصريحات الاستفزازية من بعض المسؤولين الإيرانيين إضافة إلى عدم قدرتها –الحكومة- على وقف التغلغل الإيراني في البلاد، وابتعادها عن الموقف الخليجي لاسيَّما المتمثل بإرسال قوات درع الجزيرة إلى البحرين، واتهام رئيس الحكومة بأنه لم يقم بزيارة المملكة العربية السعودية في حين قام بزيارة إيران لأكثر من مرة، ومن قبله الاستجواب الذي تقدم به نائب شيعي هو صالح عاشور ضد وزير الخارجية الشيخ محمد صباح السالم يتعلق أيضا بمجريات الأحداث في البحرين وما تعرض له بعض الطلبة الكويتيين الشيعة، وكذلك القافلة الطبية الكويتية التي عادت بعد أن رفض السماح لها بالدخول لوجود غالبية شيعية في أعضاء الوفد الطبي، وبالطبع إضافة إلى الهجوم الذي تعرض إليه بعض نواب الشيعة من تلفزيون البحرين نتيجة لتدخلهم في الشأن البحريني، الأمر الذي اعتبره المستجوب إهانة للسلطة التشريعية، كما أن قيام مجموعة من النواب السنة بإصدار بيان ضد النظام السوري لما ارتكبه من بشاعات ضد شعبه الأعزل، ومحاولات البعض منهم ترتيب قافلة تحمل مؤنا وأغذية وغيرها لأهالي درعا، الأمر الذي رفضه السفير السوري الذي طالب البيان بطرده من الكويت، بينما كان في الجانب أو المكون الآخر سفير سوريا نفسه ضيفا في إحدى الندوات ومرحبا به، هذه التداعيات أشاعت وتشيع مشاعر القلق والخوف على مستقبل دولة تسير بحذر في علاقاتها مع جيرانها لاسيَّما إذا فهمنا أنها تكاد تكون محاطة بنصف دائرة شيعية حيث الجنوب العراقي الشيعي وحكومة عراقية شيعية ذات علاقة مميزه مع إيران، وحراك عال في المنطقة رأسُ الحربة فيه أصبحت الطائفية التي قد تفجر حروبا في المنطقة، والكويت توجد بها نسبة شيعية تكنّ الولاء للنظام وهو أمر مفروغ منه، لكن حين تستعر -لا سمح الله- الحروب قد يتشكل اصطفاف مذهبي بداعي الدفاع عن النفس، لاسيَّما أن الراديكاليين من الطرفين متواجدون، وهم في الفترة الأخيرة من يقود المعركة التي لا تزال في حدود التراشق الإعلامي فقط، ونأمل أن لا تزيد عن ذلك. فترة الثمانينيات والتسعينيات لا تزال تعيش في الذاكرة الكويتية حين تعرضت البلاد إلى تفجيرات في أكثر من موقع، كانت أبشعها تلك التي حاولت النيل من أمير البلاد السابق الشيخ جابر الأحمد الصباح حين تعرض موكبه إلى تفجير كانت العناية الإلهية حاضرة وحاضنة له، فخرج من سيارته بإصابات طفيفة، وبالطبع أشارت أصابع الاتهام إلى إيران، لاسيَّما في ظل حرب ضروس بين إيران والعراق، أثرت كثيرا على الكويت، لكنها خرجت منها معافاة بعد أدارت أمورها وسياساتها بحذر شديد باعتبار أن الحرب تقف على بعد أمتار من حدودها، هذه الأحداث التي تمر بالكويت وإن اختلفت غير أن تأثيراتها قد تكون أشد من سابقاتها، فلم يكن هناك قلق على الساحة المحلية حيث إنها كانت متماسكة وتقف وراء حكومتها، ولعل العجيب والغريب أنه في تلك الفترة لم يكن هناك برلمان أو سلطة تشريعية حيث تم حل مجلس الأمة في عام 1986 ولم يعد إلا بعد تحرير الكويت، رغم وجود مطالبات مستمرة من قبل غالبية التيارات والقوى السياسية لعودته من خلال التجمع فيما عرف بديوانيات الاثنين. لعل من التأثيرات المثيرة للاشمئزاز التي خلقتها حالة الاصطفاف الطائفي أن تستمع لنائب في البرلمان يدافع بحماسة منقطعة النظير عن دولة أخرى، باعتبارها تمثل مرجعية مذهبية له، وهنا يكمن الخطر على الوحدة الوطنية ونسيج المجتمع المتسامح على مر تاريخه، وقد أخبرني صديق بأن أحد النواب الكويتيين حين التقى بأعضاء وفد إيراني في إحدى المشاركات الخارجية تحدث معهم باللغة الفارسية دون خجل من زملائه في الوفد البرلماني، وهذا بالطبع يجعل المذهبية السياسية تفوق المواطنة والولاء، وبالطبع يحق لأمير الكويت الذي تعهد وأكد مرارا بأنه حامٍ للدستور باعتباره الضمانة الحقيقية لاستقرار البلاد، أما استغلاله لأجل تصفية حسابات أو تحقيق مصالح ومنافع لدول أخرى فهنا يكون خرقا لمبادئ وروح الشعب الكويتي وقيمه التي جُبل عليها والتي دائما ما تكون مصالح بلاده قبل أي شيء حتى وأن كان ذلك الشيء هو مرجعية مذهبية أو دينية روحية ذات قبلة شرقية أو غربية. لا شك أن الحكومة تتخبط كثيرا ولديها الكثير من الأخطاء والسلبيات وهذا ما اعترف به سمو أمير البلاد، لكن هذا التقصير لا يبرر أبداً أن تعم الفوضى البلاد أو يتفتت المجتمع، أو تكون مقصلة تضرب رقبة الاستقرار لتجعله يعيش في الفوضى التي لا تبتعد عنا كثيرا إن نحن أمعنّا النظر إلى أشقائنا في لبنان أو الصومال أو السودان أو حتى البحرين ومصر وسوريا وتونس، لكن هذا الأمر في الوقت نفسه يفترض أن يجعل الحكومة تقف موقفا جادا أمام قضايا تمس كيان الدولة ومصالحها، وعدم انجرارها وراء فئة دون أخرى، وهذه الفئة لا أقصد بها الشيعة فقط بل ينطبق ذلك على بقية الكتل السياسية مثل الكتلة الوطنية أو التنمية والإصلاح أو العمل الشعبي، فقيامها بإجراءات جدية أمام مهاترات إعلامية تضر بمصالح البلاد وتشق الصف الوطني هي من الأمور التي يفترض أن تسارع الحكومة إلى إيقافها وعدم السماح بها، وحقيقة لا أجد مبررا واحدا لوسيلة إعلامية سواء أكانت محسوبة على الحكومة أو المقربين منها تضرب بعنف وخشونة لمكونات مجتمعها، وهذا بالطبع سيكون له ردة فعل، والبعض هنا قد يبالغ في ردة فعله لكنه لا يلام أو يحاسب عليها باعتباره قد تعرض إلى القسوة ممن يعتقد بأنه مدفوع من الحكومة، وتفرج الحكومة وعدم اتخاذها موقفا من ذلك يكرس هذا الاعتقاد، ويزيد من ردة فعله باعتباره أصبح مهمشاً أو في نظر حكومته يستحق ذلك!! الكويت ساحتها المحلية لن تهدأ أو لن يتحلحل انسدادها السياسي إذا استمرت هذه الوتيرة، فحالة الجمود والسير في خطين متوازيين بين الحكومة والمعارضة حتى على القضايا التي تمس أمن البلاد يجعل القلق مستمرا ونور الأمل في آخر النفق غير واضح، وقد يعيد بعض المراقبين ذلك إلى الخلافات في الأسرة الحاكمة، فترتيب بيت الحكم قد يكون بل هو الذي سيكون المدخل الحقيقي لنزع فتيل هذه الأزمات لاسيَّما إذا علمنا بأن هناك أقطابا في النظام تؤجج الوضع السياسي لأجل مصالحها، سعيا منها لإفشال مخططات الآخر، وهذه العقلية حين تسود في السياسة مع إدارة الدولة لا شك أنها تجعل الاستقرار بعيد المنال، ولذلك فإن كف أبناء الأسرة عن التدخل في أعمال أبناء عمومتهم إن هم لم يريدوا مد أيادي المساعدة لهم، إضافة إلى البعد عن الشخصانية في العمل البرلماني، والحزم الحكومي في بعض ما يعكر مكونات المجتمع، سوف يعيد التعاون بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، والذي بدوره سيكون السبيل إلى عودة الهدوء والقضاء على حالة الاصطفاف الطائفي والانطلاق نحو التنمية والإنجاز والعمل لأجل مصلحة الكويت والكويت فقط.. وسيجعلنا نجيب على السؤال الذي طرحه سمو الأمير في خطابه الأخير.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا