الأحد 04 شعبان / 29 مارس 2020
03:20 ص بتوقيت الدوحة

اقتصاد العجز في عهد ترمب (1-2)

اقتصاد العجز في عهد ترمب (1-2)
اقتصاد العجز في عهد ترمب (1-2)
في العالم الجديد الذي شكّله الرئيس الأميركي دونالد ترمب، حيث تلاحق الصدمة الأخرى، لا يتوفر الوقت أبداً للتفكير بشكل كامل في العواقب المترتبة على الأحداث التي تنهال على رؤوسنا، في أواخر يوليو قررمجلس الاحتياطي الفيدرالي عكس سياسته المتمثلة في إعادة أسعار الفائدة إلى مستويات أكثر طبيعية، بعد 10 سنوات من أسعار الفائدة شديدة الانخفاض في أعقاب الركود العظيم، ثم شهدت الولايات المتحدة عمليتي قتل جماعي أخريين في أقل من 24 ساعة، ليرتفع مجموع القتلى في مثل هذه الحوادث لهذا العام إلى 255 قتيلاً، ثم دخلت الحرب التجارية مع الصين التي أعلن ترمب في إحدى تغريداته أنها «مفيدة، والفوز بها أمر سهل»، مرحلة جديدة أشد خطورة، تهز الأسواق هزاً وتفرض التهديد بنشوب حرب باردة جديدة.

على أحد المستويات، كان تحرك بنك الاحتياطي الفيدرالي ضئيل الأهمية، ذلك أن تغييراً بمقدار 25 نقطة أساس لن يخلّف تأثيراً يُذكر، الواقع أن فكرة تمكن بنك الاحتياطي الفيدرالي من ضبط الاقتصاد عن طريق إدخال تغييرات دقيقة التوقيت على أسعار الفائدة لا بد وأنها فقدت مصداقيتها منذ فترة طويلة ، حتى وإن كانت تزوّد مراقبي بنك الاحتياطي الفيدرالي ببعض الترفيه، وتوفر للصحافيين الماليين الوظائف، وإذا كان خفض أسعار الفائدة من 5.25 % إلى صفر لم يخلّف تأثيراً كبيراً على الاقتصاد في الفترة 2008-2009، فما الذي يجعلنا نتصور أن خفض أسعار الفائدة بنحو 0.25 % قد يخلّف أي تأثير ملحوظ الآن؟! لا تزال الشركات الكبرى تحتفظ بأكوام من الأموال النقدية، وليس الافتقار إلى السيولة هو الذي يمنعها من الاستثمار.

قبل فترة طويلة، أدرك جون ماينارد كينز أنه في حين قد يكون الإحكام المفاجئ للسياسة النقدية، على النحو الذي يقيّد الائتمان المتاح، سبباً في إبطاء الاقتصاد، فإن التأثيرات المترتبة على تخفيف السياسة عندما يكون الاقتصاد ضعيفاً قد تكون ضئيلة للغاية، وحتى استخدام أدوات جديدة مثل التيسير الكمّي قد يخلّف تأثيراً ضئيلاً كما تعلمت أوروبا، والواقع أن أسعار الفائدة السلبية التي جربتها عدة بلدان، ربما تؤدي على نحو منحرف إلى إضعاف الاقتصاد نتيجة لتأثيرات غير مواتية على ميزانيات البنوك وبالتالي الإقراض.

تؤدي أسعار الفائدة المنخفضة إلى أسعار صرف منخفضة، والواقع أن هذه ربما تكون القناة الرئيسية التي من خلالها تعمل سياسة بنك الاحتياطي الفيدرالي اليوم، لكن أليس هذا مجرد «خفض القيمة التنافسي» الذي دأبت إدارة ترمب على انتقاد الصين بسببه؟! وقد أعقب هذا على نحو يمكن توقعه، اتجاه دول أخرى إلى خفض أسعار صرف عملاتها، مما يعني ضمناً أن أي منفعة تعود على الاقتصاد الأميركي عبر سعر الصرف ستكون قصيرة الأجل، وتتمثل المفارقة الأكثر عجباً في حقيقة مفادها أن الانخفاض الأخير في سعر الصرف الصيني حدث بسبب جولة جديدة من تدابير الحماية الأميركية، ولأن الصين توقفت عن التدخل في سعر الصرف، أي أنها توقفت عن دعم عملتها. لكن على مستوى آخر، تنبئنا الخطوة التي اتخذها بنك الاحتياطي الفيدرالي بالكثير، إذ كان المفترض أن يصبح الاقتصاد الأميركي «عظيماً»، وكان المفترض أن يثير معدل البطالة الذي انخفض إلى 3.7 %، والنمو الذي بلغ 3.1 % في الربع الأول حسد البلدان المتقدمة، لكن إذا تعمقنا قليلاً تحت السطح فسوف ننتبه إلى وفرة من أسباب القلق، فقد انخفض النمو في الربع الثاني إلى 2.1 %، وهبط متوسط ساعات العمل في قطاع التصنيع في يوليو إلى أدنى مستوياته منذ عام 2011، وارتفعت الأجور الحقيقية بشكل طفيف فقط عن مستواها قبل 10 سنوات قبل الركود العظيم، وانخفض الاستثمار الحقيقي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات أدنى كثيراً من نظيراتها في أواخر تسعينيات القرن العشرين، على الرغم من التخفيض الضريبي الذي كان المقصود منه -حسب مزاعم الإدارة- تحفيز الإنفاق على الأعمال، لكنه لم يستخدم في الأساس إلا لتمويل إعادة شراء الأسهم.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.