الجمعة 17 ربيع الأول / 15 نوفمبر 2019
07:28 م بتوقيت الدوحة

مَعَك

مَعَك
مَعَك
إن الطفل لا يدرك إلا ما يراه، وينكر كل ما يغيب عنه، أو قد يكون في معتقده أنه لا وجود له، كذلك بعض البالغين، ما يؤمن به ويعتقده هو فقط الحقيقة الثابتة، وهو الحق الذي لا يأتيه الباطل، لكن للطفل ألف عذر، فما عذرنا -نحن البالغين- في تصلّبنا؟ عدم مرونتنا؟ وعدم تقبّلنا الاختلاف؟ لماذا تصلّب البعض وعنفهم تجاه أي اختلاف يواجهونه؟ تلك الأسئلة وأخرى غيرها سوف تفكر فيها وأنت تقرأ هذا الكتاب الذي دوّنت فيه حياتها معه، فعن أي كتاب أتحدث؟!

«معك» وهو سجل لذكريات السيدة سوزان، زوجة عميد الأدب العربي طه حسين، حيث تسجل في أولى صفحاته أصعب لحظة في حياتها، اللحظة التي رحل فيها من وصفته بصديقها الحبيب، وبعد تلك اللحظة حيث لم تصبح معه بالجسد، لكنها ظلت طول أيام عمرها معه بالروح والقلب، حتى وإن كان غائب الجسد، هكذا وجدت معنى هذه المذكرات التي حملت عنوان «معك».

بدأت سوزان طه حسين مذكراتها بالحاضر، وذلك بعد وفاته وبالتحديد سنة 1975م، ثم انتقلت بالقارئ إلى اللقاء الأول عام 1915م، ثم أخذت تتنقل بين الماضي البعيد والماضي القريب، ثم حاضرها، ولكنها في كل الحالات كانت معه، سواء بالجسد والروح، أم بالروح فقط، فهو معها دائماً حتى بعد وفاته، فعلاً، إن الروح أمر غريب، وقد يكون ذلك ما هوّن عليها بعض أحاسيس الفقد العظيم.

في صفحات هذا الكتاب تدوّن كيف كانت معه دائماً، في إنجازاته، والمعارك الفكرية التي خاضها، وكيف كانت بجانبه دائماً تؤمن به وتؤازره، وتقف معه عندما يتخلى عنه الجميع، فكانت كما قال لها: «بدونك أشعر أني أعمى حقاً، أما وأنا معك، فإنني أتوصل إلى الشعور بكل شيء، وإلى أن أمتزج بكل الأشياء التي تحيط بي»، كل ذلك التقارب والعلاقة الوثيقة، هل كانت لأنهما متشابهان؟ أو متفقان؟ بالتأكيد لا، كان بينهما كثير من الاختلافات، ومن أقواها وأوضحها لنا وأهمها لدينا كمجتمع شرقي الاختلاف في الدين والمعتقدات، لكن بالرغم من اختلاف معتقداتهما فإن كلاً منهما كان يحترم خصوصية ومعتقد الطرف الثاني، وكان الاثنان في مسيرتهما في الحياة يواجهان الصعوبات، ثم يسرعان في البحث عما يقربهما، لكن الأهم أن روحيهما متقاربتان، حتى وإن اختلفت المعتقدات والآراء، وبوجود الوعي والنضج الحقيقي سوف يكون هناك تعايش وتقبّل، وما جعل حياتهما تستمر وأن يكونا معاً حتى عندما يكون كل واحد منهما في مكان مختلف، هو الاهتمام، الحنان، والعطف كلها أمور تسهّل التغلب على أي اختلاف، لقد وجدت فيهما نموذجاً يستحق أن نتفكر فيه، فما أشد ما نعاني منه اليوم من اختلاف أسلوب التفكير!
أخيراً: لقد كانت آخر كلماته لها: «عودي، عودي، قلت لك: عودي»، كانت معه وكان معها دائماً.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

حوارات

12 نوفمبر 2019

هناك أطباق في السماء

22 أكتوبر 2019

الأبواب

08 أكتوبر 2019

القاجاريات

01 أكتوبر 2019

خمسة تقابلهم في الجنة

24 سبتمبر 2019