الإثنين 16 محرم / 16 سبتمبر 2019
03:04 م بتوقيت الدوحة

كارثة انفصال اليمن بلا استفتاء ولا تاريخ

كارثة انفصال اليمن بلا استفتاء ولا تاريخ
كارثة انفصال اليمن بلا استفتاء ولا تاريخ
عملياً، اليمن الشمالي بيد الحوثيين، ولديهم نفوذ سياسي كبير بين قبائلها ومدنها، وأما اليمن الجنوبي فقد سقط بيد المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات الحزام الأمني، خصوصاً بعد طرد «الشرعية» وقواتها من مؤسسات الدولة ومبانيها في عدة مناطق في الجنوب، وتسيير المظاهرات الشعبية المؤيدة لذلك، وتجرأ المجلس الانتقالي على إسقاط مدينة أبين بالقوة المسلحة بعد رفض محافظها الانصياع لهم وتأييده الشرعية اليمنية، ومحاولة النخبة الشبوانية السيطرة على مدينة شبوة، والتي أفشلتها قوات «الشرعية».
هناك معضلات قانونية وسياسية تواجه الانفصاليين وتهدد الأهالي في الجنوب اليمني، وتهدد تماسك تحالف الشرعية اليمنية، منها:
أولاً: بدأ الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي يفقد شرعيته بسبب تصرفات بعض الحلفاء، وانشقاق المجلس الانتقالي عن الشرعية، ومهاجمته له سياسياً وعسكرياً، وينسى التحالف واليمنيون أن لا أحد يستطيع أن يحل محل عبدربه، أو أن يكتسب شرعية جديدة لـ «يمن موحد»، لأسباب قانونية بحتة، فالبرلمان الموحد لا يمكنه الانعقاد، ولا يمكن جمع ائتلاف من قوى سياسية معتبرة من اليمنيين لترشيح رئيس جديد، وبالتأكيد لا يمكن عقد انتخابات رئاسية جديدة كالتي فاز بها عبدربه منصور هادي، حيث حصل على 99 % من المشاركين بالانتخاب، وهم حوالي 60 % من الذين يحق لهم التصويت، حيث قاطع الحوثيون وبعض الفصائل الانتخابات.
لقد حصل هادي على شرعية يمنية وإقليمية ودولية وفق المبادرة الخليجية المعدلة، والتي شاركت الأمم المتحدة في صياغتها، من الواضح جداً في الوقت الحاضر عدم توفّر إجماع يمني أو خليجي بعد حصار قطر، وبالتالي فإن المساس بالشرعية ورموزها يُفقد الحرب مشروعيتها.
ثانياً: قراءة بسيطة للتاريخ السياسي لليمن الحديث والمعاصر سنلاحظ أن اليمن الشمالي حكمته المملكة المتوكلية اليمنية الزيدية بشكل موحد، لم يتزعزع حكمهم حتى من الاستعمار البريطاني، ولم تسقط دولتهم إلا بثورة وطنية عام 1962، أُسست على أثرها الجمهورية العربية اليمنية، أما اليمن الجنوبي فمن الواضح أنه لم يشكل قط وحدة سياسة تجمع بين مدنه، بل كان عبارة عن مجموعة من المشايخ تسموا بالسلاطين من أهمهم: «سلطنة المهرة في قشن وسقطرى - السلطنة القعيطية تتقاسم مع السلطنة الكثيرية مدينة حضرموت - السلطنة الطاهرية في عدن»، هذه السلاطين بينها تنافس ولم يستطع حتى الاستعمار البريطاني الذي أذعنوا جميعهم له، أن يدمج هذه المشايخ أو السلاطين في اتحاد واحد وهو اتحاد إمارات الجنوب العربي، الذي أنشأته بريطانيا لمقاومة حركات التحرر القومية، فقد انضمت مشيخة عدن ومشيخة القعيطية في حضرموت للاتحاد، ورفضت مشيخة الكثيرية في حضرموت الانضمام للاتحاد، وكذلك فعل سلاطين المهرة رغم بقائها كمستعمرات بريطانية. نحن أمام حقيقة تاريخية غير قابلة للنقض، وهي أنه لم يكن هناك على مر التاريخ يمن جنوبي موحد على الإطلاق، إلا بعد مرحلة الاستقلال وثورة 30 نوفمبر 1967، حيث تم جلاء الإنجليز وقيام جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، والتي تم تغيير اسمها لاحقاً للجمهورية الديمقراطية الشعبية.
هذا الوضع الاجتماعي والسياسي التاريخي يؤكد أن الجنوبيين أمام مخاطر كبيرة يجب أن يعوها، فالبقاء في جمهورية موحدة قد يعطيهم مزيداً من الاستقلالية لمدنهم وأقاليمهم، خاصة إذا ما انتهى تهديد الحوثي، وتم إقرار دستور وأنظمة سياسية جديدة من وحي ثورة 2011، أما الانفصال في يمن جنوبي لم تترسخ فيه المواطنة، ومع تعدد الإثنيات والهويات الثقافية، سينجم عن هذه الأوضاع تهديدات أمنية خطيرة كالانقسامات السياسية والاقتتال الداخلي والإرهاب.
والأهم من كل ذلك، أن المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات الحزام الأمني لا تبشّر بالخير، فهي مشروع لديكتاتورية عسكرية ستحكم اليمن الجنوبي إذا ما تحقق له الانفصال.
ختاماً: ندم السودانيون في الشمال والجنوب على الانفصال، فقد سُحق الشماليون فقراً، وأما الجنوبيون فقد مزقهم التنافس والفرقة، كما أوضح مؤخراً رئيس دولة جنوب السودان سلفا كير ميارديت، كما أن الانفصال يجب أن يكون وفق إجراءات تحترم حقوق المواطنين في الاختيار وتقرير مصيرهم كالاستفتاء العام الذي تشرف عليه هيئات دولية، ويحتاج أيضاً إلى مواءمة سياسية داخلية وإقليمية ودولية، فالإسبان ومن ورائهم الاتحاد الأوروبي رفضوا أن يقيم إقليم كاتلونيا استفتاء للانفصال، ولم يحترم العراقيون ولا العالم أجمع نتيجة استفتاء انفصال كردستان العراق.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.