الأحد 15 محرم / 15 سبتمبر 2019
09:26 م بتوقيت الدوحة

بناء السور أم بناء الحارس؟

بناء السور أم بناء الحارس؟
بناء السور أم بناء الحارس؟
عندما أراد الصينيون القدامى أن يعيشوا في أمان، بنوا سور الصين العظيم واعتقدوا بأنه لا يوجد من يستطيع تسلّقه لشدة علوه، ولكن خلال المائة سنة الأولى بعد بناء السور تعرّضت الصين للغزو ثلاث مرات!
وفي كل مرة لم تكن جحافل العدو البرية في حاجة إلى اختراق السور أو تسلّقه، بل كانوا في كل مرة يدفعون للحارس الرشوة، ثم يدخلون عبر الباب، لقد انشغل الصينيون ببناء السور، ونسوا بناء الحارس، فبناء الإنسان يأتي قبل بناء كل شيء.
ومن أهم المبادئ التي تساهم في بناء الإنسان، مبدأ القدوة الحسنة التي يجب أن نطبقها جميعاً في تربية أبنائنا، فالإنسان ليس كائناً مجرداً من العادات المكتسبة والصفات الموروثة، بل هو ابن بيئة تنعكس عليه إيجابياتها وسلبياتها، ينشأ فيها متأثراً بما يحيط به من عوامل تساهم في تكوين شخصيته، وإبراز مواهبه، وبناء معتقداته، وتحديد سلوكه، وأكثر من يؤثر على الإنسان في نشأته الأولى هما الوالدان.
منهما يكتسب من القيم ما يساعده في رحلته في الحياة، وهما اللذان يزرعان فيه هذه القيم، فإن كان الزرع سليماً جاءت النتائج مثمرة ومفيدة، وإذا كان الزرع فاسداً جاءت النتيجة سيئة وضارة، ومكتسبات النشأة الأولى غالباً ما تتم عن طريق التقليد، والاستمرار في هذا التقليد يكسب النشء سلوكه في بقية سنوات عمره.
لذلك أكد التربويون على أهمية القدوة الحسنة لمن يريد التنشئة السليمة، والقدوة الحسنة ليست سلوكاً مفتعلاً، بل هي صفة دائمة، فلا يكفي أن يتظاهر الأب بأمر أمام أولاده، ثم يبتعد عن هذا الأمر في غيابهم، كما لا يليق أن يأمرهم بشيء هو أبعد الناس عنه، أو يقول لهم كلاماً لا يؤمن بصحته، ليكون ممن يأمرون بالمعروف وينسون أنفسهم.
وتشير المعطيات إلى أن غياب القدوة الحسنة يعد من أخطر الأمور التي تهدد استقرار وبناء المجتمعات العربية والإسلامية، لذلك لا بد من تقديم نماذج القدوة على كل الصعد حتى ينشأ الجيل الجديد متأثراً بنماذج إيجابية، فالقدوة الحسنة تثير في نفس العاقل قدراً كبيراً من الاستحسان، فتتحرك دوافع الغيرة لديه، ويحاول تقليد ما استحسنه وأعجب به، كما أن القدوة الحسنة تعطي الآخرين قناعة بأن بلوغ هذه الفضائل من الأمور الممكنة.
والتمثل بالقدوة الحسنة دائماً يبدأ منذ الطفولة بالأب والأم، وفي مرحلة المراهقة يكون التحرر من رقابة الأهل بحثاً عن شخصية أوسع تبعاً لميول الشخص، فيبحث في عقله الباطن عن قدوة جديدة يتعلق بها، وغالباً ما تكون هذه القدوة الجديدة في وقتنا الراهن من الشخصيات الرياضية أو الفنية.
وقد تكون في مرحلة النضوج شخصية مهنية، أو سياسية، أو فكرية، أو من حقل الأعمال، وفي حالات أخرى، يتمثل الإنسان شخصية روائية أو خيالية، وكل يبحث عن شخصية يستلهمها ويجعلها محوراً لحياته يستمد منها الإيمان والعزيمة، وكلّما كانت القدوة حائزة على مؤهلات أكبر، كانت قوة الدفع نحو الإنجاز والنجاح أكبر.
وفي الختام علينا أن نطرح على أنفسنا دائماً سؤالاً: «كيف نكون قدوة؟» باعتبار أن تعزيز القدوة الحسنة يتمثل في التعاون البناء بين أفراد المجتمع ومؤسساته.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

سرعة الاستجابة

15 سبتمبر 2019

المتقاعد ثروة بشرية

01 سبتمبر 2019

بريد القرّاء

18 أغسطس 2019

أوقات السعادة

04 أغسطس 2019