الإثنين 17 ذو الحجة / 19 أغسطس 2019
10:35 ص بتوقيت الدوحة

أي قوة دافعة وراء الشعبوية؟ (2-2)

أي قوة دافعة وراء الشعبوية؟ (2-2)
أي قوة دافعة وراء الشعبوية؟ (2-2)
في الدراسة التي ربما تكون الأشهر بين هذه الدراسات، أوضح ديفيد أوتور، وديفيد دورن، وجوردون هانسون، وكافي مجليسي -من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة زيوريخ، وجامعة كاليفورنيا في سان دييجو، وجامعة لوند على التوالي- أن الأصوات التي حصل عليها ترمب في الانتخابات الرئاسية عام 2016 عبر المجتمعات في الولايات المتحدة كانت مرتبطة بقوة بحجم الصدمات التجارية الصينية السلبية، ومع ثبات كل العوامل الأخرى، يتبنى لنا أنه كلما ازداد فقدان الوظائف بسبب ارتفاع الواردات من الصين، ارتفع مستوى دعم ترمب.

في حقيقة الأمر -وفقاً لأوتور، ودورن، وهانسون، ومجليسي- ربما كانت الصدمة التجارية الصينية مسؤولة بشكل مباشر عن فوز ترمب الانتخابي في عام 2016، وتشير تقديراتهم ضمناً إلى أنه لو كان تغلغل الواردات أقل بنحو 50 % من المستوى الذي كان عليه فعلياً على مدار الفترة من 2002 إلى 2014، فإن المرشح الرئاسي الديمقراطي كان سيحقق فوزاً كبيراً في ولايات مهمة، مثل: ميشيجان، وويسكنسون، وبنسلفانيا، وهو ما كان ليجعل هيلاري كلينتون الفائزة في الانتخابات.

وقد خلصت دراسات تجريبية أخرى إلى نتائج مماثلة في أوروبا الغربية، فقد تبين أن زيادة تغلغل الواردات الصينية كان ضالعاً في دعم الخروج من الاتحاد الأوروبي في بريطانيا، وصعود الأحزاب القومية اليمينية في أوروبا القارية، كما تبين أن التقشف وغير ذلك من قياسات انعدام الأمان الاقتصادي لعبت أيضاً دوراً مهماً على المستوى الإحصائي.

ربما تبدو الحجج الثقافية والاقتصادية متصارعة، إن لم تكن متناقضة تماماً، ولكن عندما نقرأ بين السطور، يمكننا تمييز نوعٍ من التقارب، ولأن الاتجاهات الثقافية مثل قيم ما بعد المادية، وتلك التي يعززها التوسع الحضري تتسم بطبيعة طويلة الأجل، فإنها لا تعبر بشكل كامل عن توقيت ردة الفعل الشعبوية السلبية (يفترض نوريس وإنجلهارت نقطة تحول، حيث تحولت المجموعات المحافظة اجتماعياً إلى أقلية، لكنها لا تزال تتمتع بقوة سياسية غير متناسبة). ولا ينكر أولئك الذين يدافعون عن أولوية التفسيرات الثقافية في حقيقة الأمر الدور الذي تلعبه الصدمات الاقتصادية. فهم يؤكدون أن هذه الصدمات تسببت في تفاقم الانقسامات الثقافية، الأمر الذي سمح للشعبويين المستبدين بالحصول على الدفعة الإضافية التي كانوا في احتياج إليها.
على سبيل المثال، يزعم نوريس وإنجلهارت أن ردة الفعل الثقافية السلبية تسارعت بفِعل "الظروف الاقتصادية في الأمد المتوسط ونمو التنوع الاجتماعي"، ويوضحان في عملهما التجريبي أن العوامل الاقتصادية لعبت دوراً ملموساً في دعم الأحزاب الشعبوية.

على نحو مماثل، يؤكد ويلكنسون أن "القلق العنصري" و"القلق الاقتصادي" ليسا من الفرضيات البديلة، لأن الصدمات الاقتصادية تسببت إلى حد كبير في زيادة حدة الفرز الثقافي على أساس التوسع الحضري، ومن جانبهم، ينبغي لأنصار الجبرية الاقتصادية أن يدركوا أن عوامل مثل الصدمات التجارية الصينية لا تحدث في فراغ، بل في سياق من الانقسامات الاجتماعية القائمة مسبقاً على أساس اجتماعي ثقافي.

في نهاية المطاف، ربما يكون التحليل الدقيق للأسباب الكامنة وراء صعود الشعبوية الاستبدادية أقل أهمية من الدروس المستفادة منها في ما يتصل بالسياسات.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.