الخميس 19 محرم / 19 سبتمبر 2019
05:53 م بتوقيت الدوحة

هل يمكن للقواعد العالمية أن تمنع إيذاء الذات الوطنية؟ (1-2)

هل يمكن للقواعد العالمية أن تمنع إيذاء الذات الوطنية؟ (1-2)
هل يمكن للقواعد العالمية أن تمنع إيذاء الذات الوطنية؟ (1-2)
استخدم الرئيس الأميركي دونالد ترمب الأمن القومي مبرراً لفرض رسوم جمركية على واردات الصلب، والتهديد بزيادات كبيرة في الرسوم على السيارات، وتوعد مؤخراً بفرض رسوم على الواردات المكسيكية. وكان مما أعلنه (أكتفي هنا بمثال واحد فقط) أنه «إذا لم تكن لديك صناعة صلب، فليست لديك دولة». ورغم ما تحمله دعوى الأمن القومي التي يسوقها ترمب من سخافة في ظاهرها، فإنها تثير تساؤلات صعبة بشأن نظام التجارة العالمي، والحوكمة الاقتصادية العالمية على نطاق أوسع.
يكمن التحدي الصعب الذي يواجه الحوكمة العالمية في تحديد الخط الفاصل بين مجالات السياسات التي تتاح فيها للدول القومية حرية التصرف كما يحلو لها، وتلك المجالات الأخرى التي ينظمها الاتفاق الدولي. وفي ظل اقتصاد عالمي بات متداخلاً ومعتمداً على بعضه بعضاً بصورة متزايدة، فإن كل ما تقوم به أي دولة تقريباً يؤثر بشكل غير مباشر على الدول الأخرى.
غير أن مثل تلك التأثيرات غير المباشرة لا تمثل في حد ذاتها سبباً كافياً لتقييد استقلالية الدول. فلو نظرنا مثلاً إلى التعليم العام أو الضرائب المفروضة على البنزين أو الحدود القصوى للسرعات على الطرق السريعة، لوجدنا أن لكل من هذه السياسات عواقب وتبعات على الشركاء التجاريين. فالارتقاء بالمهارات يغير الميزة النسبية لأي بلد، ومن ثم الفرص التجارية. كما تؤثر الضرائب على البنزين والحدود القصوى للسرعات في الطلب على النفط، وبالتالي في الأسعار بالأسواق العالمية. لكن مثل هذه السياسات غير مُنظمة دولياً، والإقدام على تنظيمها قد يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه أمر سخيف، وهي نظرة قد تكون محقة أيضاً.
تقوم الحجة المعيارية لصالح الحوكمة العالمية على فئتين من المشاكل. الأولى تتعلق بالمنافع العامة العالمية (أو المضار): وهي السياسات التي تفيد العالم عموماً، لكنها تكون ذات فائدة محدودة أو غير ذات فائدة للدولة، ومن الأمثلة الرئيسية لذلك الضوابط المفروضة على انبعاثات الغازات المسببة للانحباس الحراري الكوكبي. أما الفئة الثانية من المشاكل فتتمثل فيما يسمى بسياسات «إفقار الجار»: ويقصد بها أعمال تعود بفوائد اقتصادية على الدولة، لكنها تصل إلى حد الإضرار بالآخرين، إضافة إلى التسبب في قصور عالمي. ومن الأمثلة التقليدية لتلك المشكلة تكوين تكتلات لاحتكار سلع نادرة، بهدف انتزاع أسعار احتكارية من الشركاء التجاريين.
تقدم تلك القضايا حججاً قوية ومتقنة تدعم الحوكمة الاقتصادية العالمية. لكن قليلاً من القضايا التي تشغل بال صانعي السياسات هذه الأيام يقع بشكل دقيق في نطاق إحدى هاتين الفئتين أو الأخرى. فالإعانات الحكومية، والسياسات الصناعية، ورسوم حماية الوظائف، والتدابير التي تستهدف المخاوف الصحية أو الاجتماعية بعيداً عن الرسوم، والتنظيمات المالية الضعيفة، والسياسات النقدية غير الملائمة (المفرطة في التقشف) لا تقع في نطاق سياسات المنافع/ المضار العامة عالمياً أو سياسات إفقار الجار.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.