الأحد 23 ذو الحجة / 25 أغسطس 2019
05:04 م بتوقيت الدوحة

«ماديسون» تعتاش من صحّتنا

سحر ناصر

الخميس، 27 يونيو 2019
«ماديسون» تعتاش من صحّتنا
«ماديسون» تعتاش من صحّتنا
إذا أردت أن تكتشف لماذا تُعاني من مشكلات صحية غير مفهومة وغير واضحة، ولماذا تزور أطباء الجهاز الهضمي والطوارئ كل ثلاثة أشهر أو أقل، دون معرفة الأسباب الحقيقة الكامنة وراء ذلك، فرافقني إلى «ماديسن أفنيو» أو «جادة ماديسون» الشهيرة، والتي تقع في مانهاتن مدينة نيويورك. ما علاقة هذه الجادة بذلك؟

لقد قمتُ بزيارة هذا المكان منذ سنتين تقريباً، ولم يتسنَّ لي المكوث فيها أكثر من 8 ساعات، لكني مشيتُ فيها سيراً على الأقدام لمدة 4 ساعات متواصلة، ورأيتُ فيها المشرد الذي يحاول الحصول على سيجارة هنا أو ساندوتش هناك، ورأيتُ تجار الذهب الذين يحاولون شدّك إلى متاجرهم، وشهدتُ تصرفات أصحاب المليارات لحظة خروجهم من مكاتبهم الشاهقة ودخولهم السيارات الفارهة. هذا الكمّ من العلامات التجارية الموجودة في هذه الجادة تحديداً في مجالات التجارة والمال والإعلام والفن والأزياء والعلوم والتكنولوجيا والتعليم والترفيه، اتضحت الفكرة التي ربما كانت وليدة اللحظة، أو ثمرة تفكير طويل أدركته لوهلة وما زال في ذهني. هذا العالم الذي تعكسه «ماديسون» يعتاش من صحتنا.. كيف ذلك؟

العلامات التجارية والشركات العابرة للقارات تكبر وتتغذى على صحتنا. هذه ليست نظرية اشتراكية أو شيوعية ضد الرأسمالية، وإنما هي مقاربة بسيطة؛ بحيث يتم ابتكار المنتج، فنشتريه، ومن ثَم نضطر إلى شراء منتج مصاحب له، أو مكمّل له، فندخل في دوامة لا نستطيع الخروج منها، ترتدّ سلباً على حياتنا وعلى صحتنا؛ لأن احتياجاتنا اليومية أصبحت معقّدة أكثر من اللازم. هذا التعقيد ومحاولة مجاراة العالم يُسبّبان لنا توتراً غير مفهوم وغير مبرر، ولا أساس له أصلاً، فيبدأ الجسد بالقلق، ومن ثَم يتضرر جهازنا الهضمي بسبب ذلك، وجهاز المناعة يبدأ بالخلل، فتكثر الأمراض. التوتر ليس وحده نتيجة «ماديسون»، وإنما العادات اليومية السيئة المرافقة لهذا القلق، وفي طليعتها: الغذاء، وما يتضمنه من مواد حافظة لم تعد أجسادنا تتعرف على مركباتها الكيميائية. إذن، ما هو الرابط بين «ماديسون» والمرض؟ الجواب هو الدوامة التي ندخل فيها وتحاصرنا غصباً، مثال ذلك: فتاة ترغب في شراء «كحل أسود» للعين، فتضطر لشراء مستحضر أساس الجفون، وقبل ذلك المرطب، وبعدها مزيل الماكياج، والقطن، وقطرة العين، يليها ماسك العيون، وهذا أبسط الأمثلة.. فكيف بالتكنولوجيا وغيرها من المجالات الكثيرة في حياتنا اليومية بكل تفاصيلها؟!

نحن نشتري الخضراوات الملمعة بمواد شمعية وهي أهون الخيارات، إضافة إلى المأكولات المجمدة المضاف إليها مواد حافظة، والقهوة المعلبة؛ فينتفض جسمك لأنه لم يعد يرغب في الترحيب بضيوف مزيفين، تتمرد مناعتك عليك فيبدأ جهاز المناعة لديك بمحاربتك، فتمرض ويضعف جسمك، يعطيك الطبيب المكملات والفيتامينات، التي بدورها قد تتسبب بمزيد من المتاعب الجسدية لأنها مصنّعة، عندها تدخل في دوامة العلاج، ومعه نظام غذائي صارم قائم على تناول الأطعمة العضوية فقط، فتُضطر إلى إنفاق المزيد من المال لشراء «العضوي»، والقلق من معرفة ما هو النظام الغذائي المناسب، فتزور اختصاصي أغذية جديداً، وطبيب جهاز هضمي والدخول مجدداً في دوامة جديدة من الفحوصات المخبرية.. وهكذا دواليك!
فكّر قبل أن تجعل نفسك سلعة، وفكر 100 مرّة قبل أن تقدّم حقل تجارب في دوامة كـ «ماديسن أفينيو».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

صورة بألف أُمّ..

08 أغسطس 2019

«صرماية في جبهتنا»

25 يوليه 2019

طارت اللحى!

18 يوليه 2019

«اسكوبار» مرّ من هنا

04 يوليه 2019