الجمعة 18 صفر / 18 أكتوبر 2019
01:46 م بتوقيت الدوحة

حميدتي.. ماذا يريد وإلام يستند؟

حميدتي.. ماذا يريد وإلام يستند؟
حميدتي.. ماذا يريد وإلام يستند؟
أتاحت لنا صحيفة «نيويورك تايمز» فرصة أكبر للتعرف على محمد حمدان (حميدتي) دقلو، نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي في السودان، وقائد ما يعرف بـ «قوات الدعم السريع».

ومع أنها لم تضف شيئاً مهماً لما هو معروف عن الرجل، إلا أن وصفها كان بانورامياً و»كاريكاتيريا» في الآن نفسه، وجاءت تصريحاته في المقابلة، وبعد يومين منها لتؤكد طبيعة المشروع الذي يعمل عليه.

تبدأ الصحيفة التقرير بخلفية حميدتي، حيث تقول إنه «كان ذات مرة تاجراً للإبل، وقاد ميليشيا متهمة بارتكاب جرائم إبادة في دارفور (استخدمه عمر البشير بالطبع)»، لكنه «يجلس الآن على قمة السلطة في السودان، وينظر إلى الشوارع المحروقة من مكتبه العالي المغطى بألواح خشبية في مقرات الجيش التي تلوح في الأفق».

ثم تشير إلى قمع قواته للمعتصمين مطلع الشهر الجاري، مشيرة إلى أن القوات المدججة بالسلاح قامت بحرق الخيام، واغتصبت النساء، وقتلت العشرات، وتم رمي بعضهم في نهر النيل، بحسب ما ذكرت عدة تقارير وشهود عيان.
المصيبة التي ترصدها الصحيفة هي أن «حمام الدم هذا؛ يعزز من الصعود غير المستقر لحميدتي، الذي يُعد، بحسب معظم التقديرات، الحاكم الفعلي للسودان.

اللافت في حوار الصحيفة مع حميدتي هو قوله كما قال أشباهه من قبل: «لو لم أصل إلى هذا الموقع لكانت البلاد ستضيع». وعن التهم الموجهة لقواته، رد بالقول إنه ينتظر التحقيق!!

وتقدّم لنا الصحيفة وصفاً «كاريكاتيرياً» لافتاً للجنرال بالقول: «حميدتي النحيف، الذي لم يدرّس إلا للمرحلة الابتدائية، والمتزوج من أربع نسوة، يستمتع على ما يبدو بزخارف موقعه الجديد، وفي مكتبه في داخل القيادة العامة، دخل عليه حاشيته ومستشاروه والخدم، فيما عُلقت السيوف الذهبية والميداليات التي مُنحت للقادة العسكريين في خزانة خارج مكتبه، وجلس مقاتلوه الذين يرتدون الزي الكاكي أمام بوابات القيادة، مُظهرين أسلحتهم التي تؤكد قوته، فيما قام البعض بجمع الحجارة من الشوارع الترابية في الخارج لطمس آثار الاحتجاج الضخم الذي عاشته البلاد».

الأكثر إثارة في المشهد يتمثل في تلك التصريحات التي وردت بعد يومين من مقابلة «نيويورك تايمز»، والتي قال فيها حميدتي إنه يمتلك تفويضاً شعبياً (مصطلح السيسي الشهير)؛ متوعداً بمحاسبة من فضّوا الاعتصام بالقول نصاً: «نعمل جاهدين لإيصال الذين قاموا بذلك إلى حبل المشنقة».

لا توجد أي مفاجأة في المشهد، فكما توقعنا منذ اليوم الأول للانقلاب في مصر؛ كل تفاصيل المشهد التالي رغم التأكيدات بعدم الطمع في السلطة (تحدثنا مراراً عن الانقلاب القادم قبل وقوعه بشهور)، فإن الأمر يبدو أكثر وضوحاً هنا في المشهد السوداني، لأن الرجل لم يخفِ طموحه للسلطة، بل ذهب أبعد من ذلك، حين لجأ إلى لغة الطغاة المخضرمين، الذين عادة ما يقدمون أكباش فداء لجرائم هُم من أمروا بها.

وكما اعتمدت تطورات المشهد المصري بعد الانقلاب على معادلة داخلية وخارجية؛ فإن المشهد السوداني يكرر المعادلة ذاتها تقريباً.
داخلياً؛ يملك الرجل أداة القوة (قوات الدعم السريع)، وسيطرة واقعية على مؤسسة الأمن. صحيح أن هناك من يتحدث عن جذور قوية للنظام المخلوع، لكن هذه كانت مفككة بسبب الخلافات، ولن يكون من الصعب عليه وعلى حلفائه تفكيكها في زمن سريع، لا سيما أن قوة المال تنحصر راهناً بين يديه.
المعادلة الخارجية التي خدمت الوضع في مصر، هي ذاتها التي ستخدم حميدتي هنا (الدعم السعودي الإماراتي)، بل سيتمتع بإضافة مهمة تتمثل في دعم النظام المصري. أما الخارج؛ فهو بقواه الكبرى يتعامل مع الطغاة بطريقة ودية جداً، من أميركا (ترمب) إلى الصين وروسيا.

لذلك كله، ستكون مهمة الشعب السوداني صعبة في مواجهة هذا الوضع، رغم إصراره الرائع، لا سيما أن هناك قدراً من الانقسامات في الشارع، بين قوى اليسار، وبين القوى التقليدية (الصوفية)، وبين الإسلاميين الذين حُسب بعضهم على النظام، وعارضه آخرون وصالحوه (جماعة الترابي).
يبقى الجانب الأهم في المشهد برمته، هنا وفي الجزائر، ممثلاً في أن الربيع العربي لم ينته، وأنه سيتجدد، وأنه ليس مرتبطاً بما يسمى الإسلام السياسي، بل بمطالب مشروعة للشعوب، لا بد أن تحققها، طال الزمان أم قصر.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.