الجمعة 15 ربيع الثاني / 13 ديسمبر 2019
11:41 ص بتوقيت الدوحة

حكم القانون يحتاج إلى روح (1-2)

أستاذة بجامعة كامبريدج
أستاذة بجامعة كامبريدج
يبدو أن العالم الأنجلو أميركي -الذي كان ذات يوم منارة لسيادة القانون- بدأ ينزلق الآن إلى الفوضى الدستورية. ففي الولايات المتحدة، تختبر إدارة الرئيس دونالد ترمب مدى تحمّل نظام الضوابط والتوازنات حتى نقطة الانهيار. في الوقت ذاته، في بريطانيا التي تستعد للخروج من الاتحاد الأوروبي، تهدّد المناقشة الدائرة حول عضوية الاتحاد الأوروبي بتمزيق البلاد، أو الأسوأ من ذلك تفتيتها إلى شظايا متناثرة.

على الرغم من الاختلاف الشديد بين دستوري الولايات المتحدة والمملكة المتحدة -بدءاً بحقيقة أن أحدهما مكتوب والآخر غير مكتوب- فإن كلاً منهما ينطوي على تفاعل دقيق بين القوانين الرسمية والقواعد والأعراف غير الرسمية. ولهذا السبب، لا يوجد تفسير واضح للمادة (50) من معاهدة لشبونة للاتحاد الأوروبي، التي تحدد العملية التي بموجبها تستطيع أي دولة من الدول الأعضاء ترك الكتلة. وبالمثل، لا توجد إجابة حاسمة لتساؤل ترمب مؤخراً وسط الدراما المحيطة بتقرير مولر، حول ما إذا كان التواطؤ مع روسيا غير قانوني من الناحية الفنية. ويبدو أن أولئك الذين صاغوا القوانين ذات الصلة، والذين عملوا انطلاقاً من نوايا حسنة، لم يتخيّلوا قط أن قضايا من هذا القبيل قد تنشأ.
لكن برغم أن قلة هم من توقّعوا المأزق الدستوري الحالي، فإن العديد من المشاكل تنبع من التفسير السائد لحكم القانون في الثقافة القانونية الغربية. ففي حين أصاب في ما يتصل بوجود حكم القانون باعتباره انتصاراً، فإنه أخطأ في اعتبار هذا الوضع أمراً مفروغاً منه.
كانت غطرسة كثير من الفكر الليبرالي في التعامل مع القانون، كامنة في افتراض مفاده أنه بمجرد إقامة نظام حكم القانون فإنه يصبح قادراً على دعم وإدامة ذاته بشكل دائم تقريباً. لكن أي دستور لم يعد قادراً في حد ذاته على ضمان مجتمع متماسك أكثر مما يضمن عقد زواج حياة من الحب الحقيقي والرومانسية الملحمية. ولا مفر من القيام بالعمل اللازم لجعل ذلك الترتيب سعيداً، وسلمياً، ومزدهراً، وآمناً. والمجتمعات تستفيد من تجديد العهود، مثلها في ذلك مثل أي زوجين.
والصدوع التي تظهر في النظام الدستوري على جانبي الأطلسي، دليل على وجود عيوب جوهرية في نظرية المؤسسات. تفخر القانونية الليبرالية بحيادها القيمي، وبوضع أفراد مهتمين بذواتهم إلى حد كبير في مركزها. لكن هذه الافتراضات يصعب التوفيق بينها وبين جوانب مهمة من الطبيعة البشرية على حالها الآن.
من الأرجح كثيراً أن تكتسب القواعد الثِّقَل إذا ناشدت ما يسمّيه علماء النفس «الآلية الأخلاقية». وفي المشروع الذي يقترحه دانييل كروجمان -رجل الاقتصاد من جامعة برينستون الحائز على جائزة نوبل- في كتابه بعنوان «التفكير، بسرعة وببطء»، يعني هذا الاحتكام إلى فكر «النظام 1» البشري، والذي يقوم على العاطفة والغريزة، وكذلك على «النظام 2» الأكثر تداولية أو منطقية. علاوة على ذلك، من خلال التأكيد على «أنا» بشكل شبه كامل على حساب «نحن»، تتجاهل النظرية الليبرالية حقيقة مفادها أن البشر اجتماعيون بطبيعتهم وبشكل جوهري، وتجازف بجلب نبوءة تحقق ذاتها. الواقع أن عمل عالم الأحياء جوزيف هنريش يوضّح أن القدرة على التعاون كانت القوة الرئيسية الدافعة لعملية التطور البشرية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.