الجمعة 21 ذو الحجة / 23 أغسطس 2019
12:45 م بتوقيت الدوحة

السودان إذ يستنسخ الدرس الأسدي

السودان إذ يستنسخ الدرس الأسدي
السودان إذ يستنسخ الدرس الأسدي
جاء تحذير تجمع المهنيين السودانيين المعارض من الانجرار إلى عسكرة الثورة، بعد قيام الجنجويد وقوات الأمن السودانية بترك الأسلحة والذخائر في أماكن التظاهر لجرّ المتظاهرين إلى مربع الثورة المضادة، وهو المربع الذي أتقنته تماماً، مما يُفرغ الثورة السودانية من شرعيتها التي قامت عليها، وهي ثورة سلمية، أقوى ما فيها هو سلميتها، وهو سلاح النظام السوداني الأضعف، كما غيره من الأنظمة الاستبدادية.
‏ وبموازاة هذا التكتيك -الذي نقلته أجهزة القمع السودانية من مؤسسي القمع العربي، وهو العصابة الأمنية في سوريا- سعت إلى تطبيق تكتيك آخر أسدي وهو التخلص من ضحاياها، لكنها هنا اختلفت عن السورية، فبدلاً من قيامها بشراء محارق خاصة للتخلص من جثث ضحاياها وإخفاء كل الأدلة على الجريمة وطمسها، فقد قامت برمي جثثهم في نهر النيل، لتثبت أنها أكثر غباءً من نظيرتها السورية، حيث فضحها النيل مع أول قذفة للضحايا على الضفة الأخرى، ليكتشف العالم كله جريمتها وغباءها.
‏ ليس هناك حل لدى الاستبداد سوى أن يرى كل الخطوط معوجة كما هو، وأكثر ما يقلقه هو أن يرى خطاً مستقيماً يفضح خطوطه المعوجة، فجرّ الثورة السلمية في السودان إلى العسكرة يجعل الخصم يشبهه، والتحدي أمام الخصم اليوم هو أن يقول له قولاً ويمارس ذلك عملاً؛ إننا لا نشبهك ولا تشبهنا، ولذا لم يجد ورثة البشير اليوم شيئاً يستطيعون استنساخه من النظام الأسدي في سوريا، أكثر من جرّ الثورة إلى مربع الثورة المسلحة، ثم تحميلها كل خطاياه وأوزاره، وهو الذي يملك شبكة علاقات دولية عميقة تكره أكثر ما تكره السلمية والديمقراطية وحق الشعوب في نيل حريتها وكرامتها، وهو ما أكدته للمرة الألف كل تجارب الربيع العربي وثوراته على مدى العقد الماضي تقريباً.
‏ يخطئ حكام السودان مرات عدة إن ظنوا أن بمقدورهم التلاعب بالثورة السودانية، كما حصل في الثورة السورية، فالأوضاع بين البلدين مختلفة ومتباينة تماماً، وهذا التباين بالطبع لصالح الثورة السلمية والمتظاهرين، وليس في صالح الاستبداد والمجلس العسكري، إن كان على صعيد الحكام المستبدين، أو على صعيد المحكومين، فحكام السودان لا ينحدرون من نظام طائفي مستبد مغلق ومصمت تعود تجربته في الحكم لحوالي نصف قرن كما هو في سوريا، فهم يفتقرون إلى عمق الدولة، كما هو في سوريا ومصر وغيرهما، فليس لديهم عصبية حزبية، ولا عصبية طائفية، أما على صعيد المحكومين، فالسودان يتمتع بطبقة حزبية حكمت ديمقراطياً وتداولياً بالسلطة لسنوات، وهذه الأحزاب أعرق من المؤسسة العسكرية والأمنية ، إن كان على صعيد العلاقات السودانية، أو على صعيد العلاقات العربية والدولية، فضلاً عن تجربة سودانية عريقة -ولعلها الوحيدة في العالم العربي- بنجاحها بثورتين سلميتين أقالت أنظمة استبدادية، مما خوّلها امتلاك تجربة تاريخية ناجحة في اقتلاع الاستبداد سلمياً، وهو ما يخيف ويقلق المجلس العسكري السوداني وداعميه من معسكر الثورات المضادة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.