الأحد 15 محرم / 15 سبتمبر 2019
03:53 م بتوقيت الدوحة

الربيع العربي والتطويق المستحيل

الربيع العربي والتطويق المستحيل
الربيع العربي والتطويق المستحيل
ظنّ معسكر الثورات العربية المضادة وحماة الاستبداد العربي أن بمقدوره السيطرة والتحكم بجغرافية الثورة العربية، من خلال السيطرة على دول الربيع العربي، فلجؤوا إلى اتفاقيات ثنائية خليجية في الحالة اليمنية وحوّلوا الثورة من ثورة شعب يمني يطالب بالحرية والاستقلال الحقيقي إلى خلاف بين دول، وفي الحالة الليبية سعى معسكر الثورات المضادة إلى نبش قتلة مجرمين سابقين أكل عليهم الدهر وشرب لتصديرهم المشهد كما في حالة خليفة حفتر، وفي الحالة المصرية دفعوا إلى دعم العسكر ومساندة السيسي للانقلاب على المسار الديمقراطي، أما في الحالة السورية فقد كانت عقدة المنشار الدعم التركي المضاد لثورات الاستبداد العربي، فإن استطاع معسكر الثورة المضادة تدجين مناطق جغرافية سورية بسبب علاقاته مع فصائلها فإنه عجز عن فعل ذلك في مناطق جغرافية هي أقرب لتركيا، مما أبقى ثورة الشام حيّة وقائمة، وإن كان السبب الأول والأخير هو إصرار ثوارها وشعبها على المضي قدماً رغم كل التكاليف الباهظة المدفوعة بشكل يومي.

اليوم يدخل إلى مشهد الثورات العربية دولتان مهمتان، وهما الجزائر والسودان، لتؤكدا من جديد أن الشعوب لا تزال مصرّة على انتزاع حريتها وكرامتها، وأن النماذج السورية والليبية واليمنية والمصرية التي قدّمها معسكر الثورات العربية المضادة لثني الشعوب عن حريتها واستقلالها عجزت عن فعل ذلك، فقد غدت الشعوب أكثر وعياً، ولم تعد تهتف للجيش والعسكر بعد أن أدركت تماماً أنه هو الذي يحتلها نيابة عن دول إقليمية وكبرى، وبالتالي سكتت حناجر المتظاهرين عن الإشادة بالجيش والعسكر، واختفى الهتاف لصالحه.

دخول السودان والجزائر يعني -أول ما يعنيه- أن معسكر الثورات المضادة وحماة الاستبداد العربي العاجز عن التعاطي مع قضايا مثل اليمن وليبيا ومصر، لهو أعجز من أن يتعامل مع قضيتين جديديتين هما السودان والجزائر، وبالتالي فاتساع جغرافية الثورة العربية يجعل معسكر الثورة المضادة في عجز واضح عن التعاطي مع التحديات الجديدة، سواء أكان على المستوى الأمني أم على المستوى الشعبي، وفوق هذا المستوى المالي، فليس هناك دولة مهما عظمت ميزانيتها أن تتحمل ميزانيات دول تشهد ثورات وتغييرات جوهرية.

الثورات العربية هي قدر الشعوب، وقدر الأمة، ونهاية منطقية للتاريخ الاستبدادي المفتئت على حق الشعوب، ومن الصعب على الثورات المضادة أو على داعميها من الاستبداد الإقليمي والدولي إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وإعادة العفريت إلى قمقمه؛ ففي مطلع القرن الماضي استطاع الغرب ترويض الشعوب بسبب وقوف النخب معه ضد الخلافة العثمانية، أما اليوم فإن النخب ومعها الشعوب العربية كلها متفقة على رحيل الاستبداد العربي.. فكُرة النار تتسع وليس بمقدور معسكر الثورة المضادة ولا داعميها تطويقها وإخمادها.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.