الإثنين 16 محرم / 16 سبتمبر 2019
01:01 ص بتوقيت الدوحة

القرضاوي في دروس قرآنية تنفرد «العرب» بنشرها:

المنافقون يجمعون بين الكفر والإفساد والجهل

الأحد، 26 مايو 2019
المنافقون يجمعون بين الكفر والإفساد والجهل
المنافقون يجمعون بين الكفر والإفساد والجهل
تنفرد «?العرب» من خلال صفحاتها طوال شهر رمضان المبارك، بنشر دروس قرآنية في رمضان لفضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، تحت عنوان: «في رحاب القرآن الكريم»، ويقول فضيلته:
صفات المنافقين في سورة البقرة

ذكرت سورة البقرة من أوصافهم أنهم يدعون الإيمان وليسوا من الإيمان في شيء: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ}، [البقرة: 8]. إن إيمانهم مجرد دعوى ليس لها حاصل، وليس وراءها عمل، إنما يريدون أن يضحكوا على الناس، وأن يخادعوا المؤمنين بالأقوال المعسولة: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}، [البقرة: 9]، إنما يحسبون أنهم يضحكون على الله ويخدعون الله عز وجل، وقد كذبوا: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}، [النساء: 142] الله لا يُخدَع، والله لا يمكن أن ينطلي عليه مثل هذا الكذب. بهذه المظاهر الكاذبة، وهذه الأقوال الزائفة، وهذه الدعاوى الباطلة {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}، [البقرة: 9]، إنما يخدعون أنفسهم، وإن كانوا لا يشعرون بذلك، يضحكون على أنفسهم، والله تعالى يعرف بواطنهم وسرائرهم، لأنه عليم بذات الصدور، لا تخفى عنه خافية، ولا يغيب عنه سر ولا علانية، والمؤمنون يحفظهم الله تبارك وتعالى من كيدهم وشرهم.

{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً}، [البقرة: 9]، الآفة والعلة في قلوبهم، هذا المرض مرض الأنفس، إن مرض الأجساد يمكن أن يعالَج، ولكن الأخطر هو مرض هذه القلوب المريضة بحب الدنيا، وحب الشهوات: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} -(مرض الشبهة ومرض الشهوة)- فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً}، [البقرة: 9]، لأن الانحراف ينشئ الانحراف، والمرض يؤدي إلى مرض آخر، وهكذا. {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، [البقرة: 9] في هذه الدنيا، عذاب الشك والقلق، ولهم عذاب في الآخر أشق هو أشد العذاب، كما قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً}، [النساء: 145]، كل هذا بما كانوا يكذبون، يكذبون على الله، ويكذبون على الناس {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}، [البقرة: 9].

والغريب أن شأن هؤلاء كشأن المنافقين في كل مكان، أنهم يفسدون في الأرض، ولكنهم يدّعون أنهم أهل الإصلاح: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}، [البقرة: 11]، يدّعون أنهم أهل الإصلاح، وأن كل ما يعملونه هو إصلاح، وما هو إلا إفساد كل الإفساد: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ}، [البقرة: 12]، فقدوا الشعور لما هم فيه، فقدوا الإحساس لما هم فيه.

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ}، [البقرة: 13]، هكذا وصفهم الله تعالى ببذاءة اللسان، وبالتطاول على المؤمنين، هم السفهاء حقيقة، ولكنهم يدّعون أن المؤمنين هم السفهاء.

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ}، [البقرة: 13]، أصحاب العقول والألباب، فالإيمان يدل على عقل ووعْي وإدراك، ولكن هؤلاء المتطاولين المتكبرين يقولون: {أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ}، وبخاصة أن كثيراً من المؤمنين هم من الضعفاء الفقراء الذين لا حول لهم ولا قوة، ولا مانع ولا سلطان، كما قال قوم نوح لنوح: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ}، [الشعراء: 111]، يقصدون بالأرذلين هؤلاء الضعاف والفقراء من الناس.

{أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ}، [البقرة: 13]، مصيبة هؤلاء أنهم لا يعلمون ما هم فيه، وهذا هو الجهل المركب، فالجهل البسيط يمكن أن يعالَج إذا عرف الإنسان أنه جاهل، أما الذي يعز علاجه فهو الذي يجهل ويجهل أنه يجهل. {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}، [البقرة: 14]، هؤلاء بوجهين وبلسانين، يلقى هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، ويكلم هؤلاء بلسان وغيرهم بلسان آخر، وكذلك إذا {لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ}، [البقرة: 14]، وهذه إشارة إلى اليهود الذين كانوا يُعتبرون شياطين لهم يوسوسون في صدورهم، ويضمرون لهم الشر، ويوحون إليهم زخرف القول غروراً.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.