الخميس 23 ربيع الأول / 21 نوفمبر 2019
10:43 ص بتوقيت الدوحة

السودان: آن الأوان للانتقال من الجدل للعمل

السودان: آن الأوان للانتقال من الجدل للعمل
السودان: آن الأوان للانتقال من الجدل للعمل
توقعنا الأسبوع الماضي أن يصل الحوار بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير إلى وفاق شامل يقود إلى بدء المرحلة الانتقالية فوراً، خاصة وقد أكد الجانبان أنهما قد اتفقا تماماً على أكثر من 90 % من القضايا الخلافية، ولم يتبق أمامهما سوى حسم قضية تحديد نسب عضوية كل طرف في مجلس السيادة والاتفاق على الطرف الذي يتولى رئاسة ذلك المجلس، بعد أن أعلن الطرفان اتفاقهما على مجلس ذي وضعية رمزية دون أي سلطات تنفيذية مهمة، ولم يكن ذلك مستغرباً، إذ إن هذا هو دور رأس الدولة، سواء كان فرداً أو مجلساً في الجمهورية البرلمانية التي ظل السودان يتبناها في كل الأنظمة الديمقراطية التي مرت عليه منذ استقلاله، ولم يكن أحد يتوقع أن يتطاول أمد الخلاف بين الجانبين حول هذه القضية إلى درجة تهدد بانهيار الفترة الانتقالية.
كنا نتوقع من المجلس العسكري أن يتفهم أهمية هذه الرمزية ليس لقوى الحرية والتغيير فحسب، بل للمجلس العسكري نفسه الذي يهمه أن يعرف العالم أنه لم يقم بانقلاب عسكري جديد ليحل محل حكم ديكتاتوري قديم، بل إنحاز لمطالب التغيير التي ثارت الجماهير من أجلها، وأن المجلس غير راغب في ممارسة السلطة، وهو جاد في نقلها فوراً للقوى المدنية، فذلك هو ما يتوقعه منه المجتمع الإقليمي والمجتمع الدولي حتى يطمئن لحرية التغيير.
لكن وعكساً لكل التوقعات، فإن المجلس أصر على أن يحوز على أغلبية عضوية مجلس السيادة، وأن يحوز أيضاً على رئاسته، مما يرسل رسالة ليس للسودانيين فحسب بل للمجتمع الإقليمي والمجتمع الدولي، مؤداها أن السودان عائد مجدداً للحكم العسكري كامل الدسم، وأن ما حدث فيه لم يكن سوى انقلاب عسكري أفرز مجلساً عسكرياً جديداً يتولى السلطة في أعلا مراقيها، وبالقطع ليست هذه هي الصورة التي يحرص المجلس العسكري على إرسالها للعالم حسب تصريحات أعضائه المتواصلة عن الإسهام في الانتقال الديمقراطي عبر تسليم السلطة للمدنيين.
والأمر الذي يثير الدهشة أن هذا المجلس ليس من صلاحيته مناشط تنفيذية مهمة ليتمسك بها المجلس العسكري، وأهميته لا تعدو أن تكون رمزية السيادة، فهل يستحق ذلك موقفاً متشدداً من المجلس العسكري يوشك أن يطيح بإنجازات عظيمة تحققت عبر الاتفاقات السابقة؟
إن الملايين الذين ثاروا وواصلوا جهودهم ليل نهار وقدموا التضحيات الجسام في ثورة سلمية كانت آية في الروعة والجسارة، لم يفعلوا ذلك كله لكي يستبدلوا حكماً عسكرياً بحكم عسكري آخر. إن المرحلة الانتقالية مرحلة شراكة بين المجلس العسكري وقوى الثورة، وهدفها الأساسي تصفية النظام الشمولي السابق وتهيئة الميدان للنظام الديمقراطي المقبل، الذي يأتي عبر انتخابات حرة نزيهة تجري في نهاية الفترة الانتقالية، وتتصدرها القوى التي تحظى بثقة الناخب السوداني، وعنوان الفترة الانتقالية هو تفكيك دولة الشمولية، ولذلك لا بد أن يكون رمزها مدنياً، رغم مشاركة الطرف العسكري، وليس في ذلك أي طعن أو تقليل من الدور العسكري في حماية الوطن، ولا في الدفاع عن الثورة، ولكنه تقرير وتعزيز لوضع جديد. وإذا تعامل المجلس العسكري مع احتياجات الفترة الانتقالية وفق هذا الفهم، فإنه سيتفق مع الطرف الآخر على أن تكون رمزية «مدنية السلطة» المقبلة حجر الأساس في المشروع السياسي للفترة المقبلة، مما يتطلب بروز الدور المدني في الرمز السياسي للمجلس، خاصة أن قوى الحرية والتغيير قد بذلت جهداً كبيراً لتجسير الفجوة بين موقفها وموقف المجلس العسكري، سواء بالنسبة لعضويته أو رئاسته. ومع إيماننا بأن بناء هياكل السلطة المقبلة مسؤولية السودانيين وحدهم، إلا أن السودان يحتاج تماماً إلى تطبيع علاقاته مع واقعه الإقليمي والدولي، ويهمه أن يبرز صورة وفاقية حول بناء هياكل السلطة المدنية، وأن مدنية تلك السلطة التزام لا يمكن التفريط فيه، ولا بد من تحقيقه والالتزام بإنزاله إلى أرض الواقع، حتى يكتمل بناء الدولة الديمقراطية المنشودة.. وقد آن الأوان أن يصل الحوار بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير نهايته، وليكن هذا الأسبوع هو موعدنا للدخول في المرحلة الانتقالية المرتقبة بعد أن طال انتظارنا لها.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.