الخميس 23 شوال / 27 يونيو 2019
03:41 م بتوقيت الدوحة

نصف قرن على انقلاب مايو

نصف قرن على انقلاب مايو
نصف قرن على انقلاب مايو
يصادف اليوم الخامس والعشرين من مايو الذكرى الخمسين للانقلاب العسكري الذي قاده العقيد -حينها- جعفر نميري، مطيحاً بالديمقراطية الثانية في السودان؛ حيث شهد السودان تجربته الديمقراطية الأولى عقب نيله الاستقلال في 1956. وكانت بداية موفقة أن اختار قطار تحرر لتوه من المستعمر هو الديمقراطية نظاماً للحكم، وتزداد أهمية هذا الخيار عندما نلاحظ أن معظم الدول التي استقلت في النصف الثاني من القرن الماضي قد اختارت نظام الحزب الواحد، وتحوّل فيها قادة التحرر إلى دكتاتوريين طغاة، بينما خضع رافع علم الاستقلال في السودان إسماعيل الأزهري لقواعد الديمقراطية، حين سحب البرلمان الثقة من حكومته بعد ستة أشهر من يوم الاستقلال فتحوّل رئيس الحكومة إلى مقاعد المعارضة؛ لكن التجربة الديمقراطية الوليدة شهدت انتكاسة خطيرة حين تدخّل الجيش في السياسة، عبر الانقلاب العسكري الأول الذي قاده الفريق إبراهيم عبود في نوفمبر 1958.
عادت الديمقراطية للسودان بعد ثورة أكتوبر التي أنهت الحكم العسكري الأول في 1964، واستمرت التجربة الديمقراطية الثانية حتى مايو 1969 حين أطاح انقلاب نميري بالنظام الديمقراطي. وبقى نميري في الحكم 16 عاماً حتى أسقطته ثورة شعبية في أبريل 1985. وكأن العسكريين والموعزين إليهم من المدنيين لم يعتبروا بفشل تجربتين سابقتين، فأعاد الجيش تدخّله للمرة الثالثة في يونيو 1989 حين قاد عمر البشير انقلاباً عسكرياً. ولم يكن مصير البشير بأفضل من سابقيه، فأطيح به في ثورة شعبية تشبه ثورة أكتوبر وانتفاضة أبريل.
بسقوط نظام الإنقاذ تكون كل القوى السياسية قد أيقنت بفشل خيار التدخل العسكري لفرض رؤية سياسية. وبما أن أخبار سقوط الإنقاذ ما زالت طازجة، تطل بوضوح أمثلة فشل وفساد هذا النظام الساقط للتوّ، وقد تبهت في الأذهان أمثلة الطغيان في نظام مايو الذي سقط قبل عقود؛ لكن المتأمل في المسألة يكتشف بوضوح أن الشمولية منظومة واحدة تطرح الثمار ذاتها، ولو اختلفت الصفات الشخصية بين قائد انقلاب وآخر، والمرجعية الفكرية بين نظام ونظام.
تتشابه الأنظمة الشمولية في الفكرة الإقصائية؛ حيث يعتد النظام الدكتاتوري برؤيته الأحادية وبتنظيمه الواحد ويرفع قائده لمرتبة تفوق مرتبة البشر. حينها تصبح كل رؤية مخالفة لرؤية النظام فاسدة أو قاصرة، ويصبح كل من يعارض النظام خائناً للوطن تجب مواجهته بالعنف ولو أدى ذلك لإعدامه. وهكذا سيق المعارضون إلى السجون والمشانق، فمات رافع علم الاستقلال إسماعيل الأزهري وهو في المعتقل، وقُتل إمام الأنصار الهادي المهدي وهو يقاوم نظاماً حرمه حقه في المشاركة السياسية، وأُعدم عبدالخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعي، والشفيع أحمد الشيخ القائد العمالي العالمي، والمفكر محمود محمد طه، وعدد كبير من ضباط القوات المسلحة، وهم في معارك ضد نظام لا يحتمل رأيين.
بعد هذه السنوات من سقوط نظام مايو، يحق أن نتساءل: هل كانت فكرة الاتحاد الاشتراكي بالعبقرية التي يجوز معها وأد أية فكرة سياسية أخرى، وهل تُعتبر إنجازات مايو -مهما كبرت- بالأهمية التي تهون معها أرواح الشخصيات الوطنية الواردة في المقال؟
قطعاً لم تملأ فكرة تحالف قوى الشعب العاملة كل الساحة السياسية حتى تستغني عن أفكار أخرى كانت تثري ساحة السياسة، ولن تكون معارضة مايو جرماً يستحق به المعارضون المصير المؤسف الذي لقيه قادة من خيرة أبناء الشعب السوداني.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.