الأحد 15 محرم / 15 سبتمبر 2019
08:01 م بتوقيت الدوحة

رمضان في السودان قيم جميلة موروثة تتجلى خلال الشهر الفضيل

الخرطوم- قنا

الثلاثاء، 07 مايو 2019
السودان في رمضان
السودان في رمضان
يعتبر شهر رمضان في السودان بجانب أهميته الدينية واحدا من أبرز مظاهر الوحدة الوطنية والتواصل الاجتماعي بين كافة مكونات أهل السودان دون فرز، لأنه يحمل حالة إيجابية نادرة تحتشد فيها كل القيم الجميلة الموروثة في منظومة تتجلي خلال شهر كامل، حيث يستعد الناس له منذ وقت مبكر ويستقبلونه بحفاوة بالغة ويعيشون أيامه في صفاء ونقاء إنساني في أعلى قيمة ، وصورة رائعة مشرقة تقدم لوحة جمالية يعتز السودانيون بها بين الأمم.

ويتميز شهر رمضان بتغيير كلي في حركة المجتمع السوداني، الذي يتحول فرصة للمحبة والتواصل وصلة الرحم والتكاتف والتكافل، وفرصة واعدة للنشاط الديني من خلال قيام ليالي التلاوة والعبادة وتمثل صلاة التراويح وصلاة القيام وأيام الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان مشهدا آخر للتدافع لفعل الخيرات ويخصص أهل السودان الخميس الأخير من الشهر للترحم على الموتى والدعاء لهم عبر ليلة تسمي الرحمات.

أما بالنسبة لألقاء التحية لدى أهل السودان فتتغير لتحل عبارة رمضان كريم ويكون ردها "الله أكرم" وتتم في حفاوة واحساس ديني روحي يعكس تسامي الناس وتسارعهم لفعل الخيرات في شهر رمضان، فتلك العبارة هي جواز مرور لمزيد من الألفة والتقارب وإزالة الترسبات لأنها تحمل العفو والصفح والتسامح وتذكر بمكانة الشهر الكريم وفضائله، لذلك اتخذها السودانيون عنوانا لتلاقيهم وتآخيهم، إلى جانب العلامات التراثية التقليدية التي تظهر في هذا الشهر وهو المسحراتي الذي ينبه الناس للسحور وتكون معه مجموعته الخاصة، لكن مع ظهور الموبايل وتقدم الحياة وامتداد ساعات السهر إلى وقت السحور اندثرت هذه الممارسة الاجتماعية في المدن، لكنها مازالت قائمة في القرى والمدن النائية التي تحتفظ بتراثها وتعتز به ولم تدخلها المدنية بكامل صورها. 

وفي الجانب الديني أيضاً تنشط الجمعيات الخيرية الدينية ومنظمات المجتمع المدني التي تقدم الدعم للفقراء والمساكين وتنظم موائد الإفطار الجماعية التي اشتهر بها أهل السودان، فتتحول المساحات الواسعة والميادين الرحبة أمام المنازل وفي الطرقات والمساجد إلى أماكن للإفطار وأداء الصلاة في تدافع يعكس كرم الضيافة السودانية التي تحرص على تقديم الإفطار لكافة عابرين السبيل والمارة في الطريق العام . 

وتوجد عادة اجتماعية في هذا النطاق تسمى الضرا وهو مكان فسيح معد بصورة خاصة لاستقبال الصائمين العابرين أو أهل المكان ليكون مكانا للتجمع والتلاقي خلال الشهر الكريم، حيث يتجمع مئات الآلاف للإفطار تسودهم روح التسامح والتراحم ونبذ العنف والاحترام وفقاً للقيم السودانية النبيلة. 

وحول المائدة الرمضانية السودانية تنفرد بالمشروبات والمأكولات التي يتم الاعداد لها مبكراً قبل حلول الشهر الكريم وتفوح رائحتها ونكهاتها المميزة مذكرة الناس بقرب رمضان، فمن أبرز وجبات الإفطار هو ما يسمي النعيمية أو ملاح الروب ويتميز بلونه الأحمر وطعمه الجاذب ويؤكل مع العصيدة أو الكسرة وهي مسميات لمنتجات محلية بديلة للخبز، ويتصدر المشروبات الابري الأحمر و الابري الأبيض وهي رقائق جافة يتم تصنيعها وتخزينها وتعتبر علامة سودانية خاصة يعتبرها الكثيرون النكهة الأساسية لرمضان لذلك قبل وقت كافي يتم إعداد المشروبات وإرسالها للسودانيين في كافة أنحاء المعمورة ويظل الحلومر هو المشروب الأول دون منازع، وكذلك للسحور أكلاته الخاصة مثل المديدة والرقاق باللبن والقراصة الفطير والنشا وكلها مأكولات خفيفة مصنعة من الذرة أو القمح مع إضافات أخرى تعين على تحمل العطش ومواصلة الصيام. 

إن شهر رمضان في السودان كله منظومة من القيم والعادات والتقاليد الجميلة العفوية التي جبل عليها الناس فأصبحت سمة ملازمة لهم يتوارثونها جيلا بعد جيل فعمليات الإفطار الجماعي وتبادل الطعام بين الأسر قبل الإفطار ومشهد الاحتشاد الكبير في المساجد لإداء الصلاة وتفشي حالة من الحب والاحترام بين الناس ومشاركة غير المسلمين للمسلمين في الإفطار الجماعي ، تأكد على تماسك المجتمع، وهي لوحات تجعل كل سوداني يحن إلى هذه الأيام ويفرد لها مساحة خاصة ليستمتع بوجوده بين الناس.

وفي ختام المشهد الرمضاني السوداني وعند انتهاء أيامه يودعونه بالحزن على فراقه متمنين أن يكونوا حاضرين العام المقبل بحنين ملئ بالشجن والروح الدينية المثابرة على فعل الطاعات والعبادات يبتغون الأجر من الله والدعوة للوطن بالرخاء والاستقرار، كما يمثل في خواتيمه فرصة لصفاء النفس والتسامح من خلال الاستعداد لأستقبال العيد ومشاركة فرحته مع الأطفال والأسرة.

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.