السبت 17 ذو القعدة / 20 يوليه 2019
06:53 ص بتوقيت الدوحة

عيوب حميدة

عيوب حميدة
عيوب حميدة
إن امتلاك مفاتح المدح والذم ليس سهلاً على من غاب عن لغته أو غيّبها من حياته، واللغة هي مفتاح المفاتيح، ومن دونها لن يملك الإنسان أي مفتاح عبور إلى جانب من جوانب الحياة، ومن دونها سيضطر الإنسان إلى سلوك طرق مليئة بالعثرات، ما يتسبب في تشويش رسالته، وإساءة فهمه، وفي الحصيلة صعوبة تحقيق الهدف والوصول إلى المبتغى، وفي سياق المدح والذم فقد حفلت اللغة بكثير من الأمثلة التي بدا في ظاهرها ذم وفي باطنها مدح وثناء.

وخير توظيف لذلك ما ورد في كتاب الله -عزّ وجلّ- في محكم التنزيل: «لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلَاماً»
ومن خلال النظر إلى جناحَي الاستثناء، نجد أنّ مفردة السلام عائدة إلى اللغو، وذاك أن المُستثنى يخرج من رحم المُستثنى منه! أجل، شاء الخالق -جلّ وعلا- أن يصف لنا صفاء جنّته العالية التي لا تُسمع فيها لاغية إلا لاغية السلام، الذي يلقيه الملائكة على أهلها وهم يدخلون عليهم من كل باب! فإن كان هذا لغواً، فحبذا هو من لغو.

وكثيراً ما مدح الشعراء ممدوحيهم بطريقة الذمّ، وكثيراً ذمّوا بطريقة المدح، بهدف الوصول إلى مبتغاهم، وهذا خير دليل على أن من يمتلك جوامع اللغة يستطيع أن يحيل العيب إلى أمر محمود، ويحيل النقص إلى تمام، وهنا نستعرض أوصافاً ظاهرها فيه الذم وباطنها فيه المدح والثناء، يعتمدها بعض الشعراء طريقة غير مطروقة، وسلوكاً غير مسلوك في تسويق أفكارهم، ومثال ذلك، صفيُّ الدين الحلّي في نهج بردته، إذ يقول:

لا عَيبَ فيهِم سِوى أَنَّ النَزيـــــــــــــــــلَ بِهِم
يَسلو عَنِ الأَهلِ والأَوطانِ والحَشَمِ

إنه لمن العيب أن ينسى المغترب أهله ووطنه، ولكن آل البيت الكرام يُنسون الإنسان أهله بما يجد فيهم من الأهلية الكريمة وطيب المعشر وحسن الرفادة، ويُنسونه وطنه بما يجد فيهم من دفء الأحضان والعوض عن الأوطان.
كذلك، يشير النابغة إلى عيب مشابه في معرض مدحه لملوك غسّان:

ولا عيبَ فيهم غير أن سيوفَهم
بهنّ فلولٌ من قــــــــــــــــــــــــراعِ الكتائبِ

لطالما افتخر الشعراء بسيوفهم البتّارة، ولطالما قرأنا أن عيب الجواد كبوته، وعيب السيف نبوته، إلا أن العيب في سيوف هؤلاء هو مصدر المجد وغاية الحمد، ولمثله فليتنافس المتنافسون وليتهافت المتهافتون!
التعليقات

بواسطة : فتحي المهدي

الأحد، 28 أبريل 2019 08:06 ص

لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا ? وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) سورة مريم فإن كان هذا لغواً فحبذا هو من لغو ((سلمت يمناك على التفسير))

اقرأ ايضا

مفاتيح المعرفة

14 يوليه 2019

أسواق العرب

30 يونيو 2019

الأرواح

23 يونيو 2019

عيوبٌ حميدةٌ

16 يونيو 2019

حين ترهق الأفكار

09 يونيو 2019