الأحد 14 رمضان / 19 مايو 2019
07:18 م بتوقيت الدوحة

تشرذم معسكر الثورات العربية.. محاولة للفهم (3-3)

تشرذم معسكر الثورات العربية.. محاولة للفهم (3-3)
تشرذم معسكر الثورات العربية.. محاولة للفهم (3-3)
«قل هو من عند أنفسكم» كان الخطاب القرآني واضحاً جداً وحاسماً حين حمّل صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مسؤولية هزيمتهم في أحد، نظراً لأنهم برحوا أماكنهم التي حددها لهم رسول الله -عليه الصلاة والسلام- كان الخطاب الإلهي يريد أن يقول لهم إن السنن الربانية لا تحابي أحداً، وإن الطاعة والالتفاف حول الأمير لبّ ألباب النصر، خاصة في بيئة قبلية عربية معروفة بصعوبة قيادتها، ولذلك أتت الآيات القرآنية لاحقاً ومعها الأحاديث النبوية الشريفة تحضّ على الطاعة ولو كان القائد عبداً حبشياً، لكن شريطة أن يكون أميراً حقيقياً معترفاً به من قبل الحاضنة ومن قبل الشعوب، وليس مفروضاً عليها بالحديد والنار.

علاقة ما تقدم بعنوان موضوعنا هي الرمزية، رموز الثورات العربية وحاضنة الربيع العربي في مواجهة معسكر الاستبداد العربي وداعميه، وبقدر ما سعى الاستبداد لعقود إلى هدم الرموز الشعبية الحقيقية، إن عجز عن كسبها إلى صفه، فقد نزع البعض إلى هدم رموز الثورة، فكان أن تحزب بعضها، ولذلك لا بد أن نحرص أشد الحرص على عدم هدم الرموز، وعلى عدم تحزيبها ونسبتها إلى هذا الفصيل أو ذاك، فكان الخطأ الفاضح والفادح هو تحزيب أهل العلم والمشايخ، الذين هم الموقّعون عن الله تبارك وتعالى كما وصفهم ونعتهم ابن قيم الجوزية -رحمه الله- فغدا البعض يوقّع عن هذا التنظيم أو ذاك، بينما كان الأولى أن يتحد أهل العلم في رابطة علمية دينية بعيدة كل البعد عن الاصطفاف السياسي، وبعيدة كل البعد عن أصحاب اختصاصات السلطة الزمنية، وإنما يقتصرون بحق على أهل وذوي السلطة الروحية، ليكونوا بحق سلطة روحية تتعالى وتتسامى على كل الخلافات اليومية والانشقاقات التي هي في حقيقتها امتداد لخلافات وشقاقات زرعها الاستبداد، ولكن تجلّت اليوم بطريقة أو بأخرى، وهنا يحق علينا التعلم من درس علماء باكستان الذين ظلّوا بعيداً عن كل الانقسامات السياسية، فلم أعهد أن أصدر أحدهم فتوى ضد «طالبان» أفغانستان، بينما كانت حكومته تتعاون مع تحالف من 39 دولة ضد الحركة.

انسحب كثير من النخب الثورية من الساحة، فقفز إلى القيادة من ليس أهلاً لها، وقفز إليها من لا يتمتع بقاعدة شعبية ولا بحاضنة اجتماعية، وشرعت النخب التي تخلت عن الساحة وعاشت في الخارج، لتُنظّر وتُؤدلج لمن بقي في الداخل، في حين تعلم نخب الخارج علم اليقين، أن من بقي في الداخل من الرموز المحلية والمناطقية ليس لديه تلك الخبرات القوية، كي يقوم نخب الخارج بمحاكمته على قواعد ومعايير ومواصفات شديدة، قاموا هم بالتخلي عن مشاغل واهتمامات شعبية، وكان الأولى بهم ألا يبرحوا أماكنهم.

أما الطريق فيكمن في وقف كل المهاترات بين صفوف الثورة، وتوحيد البوصلة، بوصلة اقتلاع الاستبداد، وبعدها لن يختار الشعب إلا من هو أصلح له، ومن اقتلع نظاماً استبدادياً شمولياً ديكتاتورياً مدعوماً باحتلالات خارجية ودعم أجنبي، قادر على اقتلاع ميليشيات وجماعات مسلحة لا تتمتع بعشر معشار قوة وسطوة الاستبداد العربي، العاقل اليوم هو من حدد بوصلته، وحدد واجب الوقت، وواجبه اليوم هو تكسير رأس الاستبداد إن كان في صورة أنظمة طائفية ديكتاتورية مدعومة باحتلال خارجي في سوريا، أو في شكل ثورات مضادة في مصر وليبيا وغيرهما.

عدوك وخصمك هو من يحدد مستواك ومستوى تفكيرك ومستوى اهتماماتك ومصالحك، وكما قال الداعية مالك بن نبي، إن الأطفال يهتمون بالأشياء من ألعاب ونحوها، وإن الشباب الأكبر سناً يهتمون بالقدوات، فلذلك نجد الشباب يهتمون بحياة الأشخاص والرموز، أما الكبار فإنما يهتمون ويعتنون بالأفكار والمبادئ والقيم، فعلى السياسي في ثورات الربيع العربي أن يعلم حقيقة، وهي أن رمال الربيع العربي لا تزال متحركة وستظل لسنوات متحركة، ونظراً لجهلنا بعضنا بعضاً، فإن هذا يحتّم علينا الالتقاء ببعضنا والاجتماع ببعضنا، لنتعرف على بعضنا أكثر فأكثر، فلربما خصوم اليوم هم حلفاء الغد، وكما قيل فإن أكثر الأعداء خصومة عادة ما يستوعبون بعضهم لاحقاً، أليس من العجب أن نجد دولاً تلتقي مع كل الفصائل والأحزاب المحسوبة على الربيع العربي، ولا تجد هذه الفصائل غضاضة في أن تلتقي بهذه الدول، بينما الفصائل أصحاب المشكلة نفسها لا تلتقي ببعضها.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.