الإثنين 23 محرم / 23 سبتمبر 2019
03:29 ص بتوقيت الدوحة

لماذا على الأسد أن يخشى ممّا يجري في شمال إفريقيا؟

لماذا على الأسد أن يخشى ممّا يجري في شمال إفريقيا؟
لماذا على الأسد أن يخشى ممّا يجري في شمال إفريقيا؟
حتى الأمس القريب، كان يُنظر إلى الأسد باعتباره الديكتاتور الذي نجح في إيقاف «دومينو» الثورات العربية التي انطلقت من تونس نهاية العام 2010، مروراً بمصر وليبيا واليمن والعراق، لم يتردد النظام في استخدام كل ما يلزم لإيقاف الثورة السورية، ومنعها من الإطاحة به، بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيميائية والبراميل المتفجرة، والاستعانة بالميليشيات الطائفية والجيوش الأجنبية.
النتائج كانت مهولة، دُمّرت معظم البنية التحتية السورية، وقُتل مئات الآلاف من المدنيين، وتم تشتيت الملايين من البشر بين لاجئ ونازح، وأُجريت عمليات هندسة ديموغرافية واسعة في مناطق شديدة الحساسية، وخسرت البلاد مرافقها الحيوية والاستراتيجية لصالح روسيا وإيران، وتحول الوضع السوري إلى فزّاعة يتم استخدامها من قبل الأنظمة الديكتاتورية العربية الأخرى، لإخافة الشعوب من مصير مماثل ينتظرهم حال انتفاضهم على النظام الحاكم.
وبينما كانت ولا تزال هذه الدول تساعد الأسد على توسيع نطاق سيطرته، وتسريع عملية إعادة تعويم نظامه، بدا وكأنه قد تمّ التسليم بما يسميه كثيرون «انتصار الأسد»، ترافق ذلك مع هرولة عدد من الأنظمة العربية، لا سيما الخليجية منها، لتمتين علاقاتها مع النظام السوري، وذلك على اعتبار أنه قام بمنع ما كانوا يخشون من توسعه، وكسر إرادة الشعوب في الإطاحة بالأنظمة.
لكن ما جرى مؤخراً في السودان والجزائر، ينسف أسطورة إيقاف الأسد للمدّ الثوري، ويؤكّد أن الأوضاع لن تتوقف عند هذا الحد، وهو ما من شأنه أن يثير المخاوف مجدداً لدى النظام السوري من فقدان مزيد من الأصدقاء من جهة، والتحضير لإمكانية أن تطلق الديناميات الجديدة في شمال إفريقيا «دومينو» جديداً يصل مداه إلى سوريا نفسها عاجلاً أم آجلاً. الجزائر على سبيل المثال من الدول القليلة التي دعمت نظام الأسد، وقد تبلور هذا الدعم سياسياً من خلال امتناعها عن تأييد قرار الجامعة العربية تجميد عضوية سوريا، وكذلك تصويتها عدة مرات في الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد إدانة نظام الأسد وجرائمه، وضد المطالبة بلجنة تحقيق دولية لمحاسبته، أما الرئيس السوداني فقد زار الأسد مؤخراً في ديسمبر 2018، في بادرة دعم فُهم منها التحضير للتطبيع العربي مع الأسد.
وبالرغم من أن البعض يعتقد أن التحولات الأخيرة في الجزائر والسودان وليبيا تصبّ في صالح المحور السعودي-الإماراتي، فإن مثل هذا الاستنتاج مبكّر جداً باعتقادي، لكن إذا ما أخذنا به جدلاً، لا بد أن نشير إلى أنه يتجاهل ثلاثة معطيات غاية في الأهمية بالنسبة للأسد، الأول: أن الشعوب لم تعُد تتقبل بقاء مثل هذه الأنظمة التي ينصّب فيها الحاكم نفسه إلهاً، ولا يترك السلطة قبل موته، والثاني: أن قدرة الحكام على المقاومة أصبحت أضعف، والثالث: أن هذه الثورات تعلمت بعض الدروس، ولم تعُد تستسيغ أيضاً مصادرة العسكر للسلطة باسم حماية الثورة.
هذه المعطيات لا تبعث على الطمأنينة لدى الأسد، صحيح أن السوريين تعبوا من الدمار والقتل، وقام النظام باستنزافهم لأقصى درجة، لكن احتمال إخضاعهم كما كان عليه الأمر سابقاً يُعدّ الآن أصعب من أي وقت مضى، ومع سيطرة النظام على مزيد من الأراضي، فإنه سيواجه تحديات ضخمة إزاء كيفية إدارة هذه المناطق، وكيفية تلبية احتياجاتها، وسط مؤشرات متزايدة عن عدم قدرته على تأمين متطلبات المناطق التابعة له في الأساس، فضلاً عن ذلك، فإن الموجة الثانية من الثورات تؤكّد أن مسألة بقاء الأسد في الحكم لن تمر بشكل سهل، وأن النموذج المصري والسوري لم يعُد مقبولاً، وأن المعركة لم تنتهِ حتى في البلدان التي كانت قد شهدت ثورات سابقاً.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.