الأحد 14 رمضان / 19 مايو 2019
07:19 م بتوقيت الدوحة

تشرذم معسكر الثورات العربية.. محاولة للفهم (2-3)

تشرذم معسكر الثورات العربية.. محاولة للفهم      (2-3)
تشرذم معسكر الثورات العربية.. محاولة للفهم (2-3)
سعت كل الأنظمة العربية المستبدة إلى تأسيس مشروعية جديدة مع غياب الخلافة العثمانية وبروز الدولة الوطنية، فكانت الشرعية النظرية بعيدة كل البعد عن مشروعية إسلامية برابطة إسلامية موحدة، وإنما شرعية أقرب ما تكون إلى الاستبداد العربي، وبعضها الطائفي، إن كان بخلفية طائفية مذهبية أو بخلفية طائفية شللية عسكرية مستبدة، وهو ما ضمن لها حاضنة معينة ومساعدة لها على المضي قدماً في استبدادها وجبروتها، ترمي بالفتات إلى هذه الشللية المنتفعة إن كانت رجال أعمال أو نخباً مثقفة أفسدت الحياة العامة، فكانت خير معين لهذا الاستبداد على البقاء في السلطة في مواجهة الشعوب، التي دفعت أثماناً باهظة على الصعد والمستويات كافة. وقد أفلحت الأنظمة المستبدة في هذا لفترة ليست بقصيرة.
كان الاستبداد وحاضنته التي أعانته تسعى إلى طرد الخيّرين من البلاد، فمن لم يتم قتله وإبادته كما حصل في مصر الخمسينيات وكذلك في العراق، ثم في سوريا السبعينيات، ومن بعدها في بلاد عربية عدة، كان الخيار هو السماح له بطريقة أو بأخرى بالهجرة وترك البلاد للاستبداد وحاضنته، فطرد الاستبداد الذي جاء على شكل تأميم وإصلاح زراعي ناصري خيرة سوريا في الخمسينيات، ثم طرد خيرة سوريا بعد أن اعتقل خيرتها أيضاً في انتفاضة الثمانينيات، وهو ما تكرر في الثورات الحالية.
أمسكت الأنظمة المستبدة بكل مفاصل التغيير في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في دولها، ومن ثم لم تسمح لأحد أن يأتي بأي حركة دون أخذ الموافقة الأمنية، وهو ما يعني أن الحكم هو حكم أمني استخباراتي بامتياز. كل هذا الانسداد دفع الشعوب العربية إلى الانفجار، وهو الانفجار الكبير الذي لم يقوَ أحد لا من الداخل ولا بدعم الخارج على السيطرة عليه حتى الآن. لكن بالمقابل، استفاقت الشعوب العربية في ثوراتها على واقع يفتقر إلى أبسط قنوات التنظيم والإدارة والتنسيق الشعبي، فكان الأمر بحاجة إلى وقت ليس بسيطاً من أجل أن تثق الشعوب ببعضها، وأن تثق النخب ببعضها، فكان على الجيل الحالي أن يقوم بما تقاعس أو فشل أو عجز -لا فرق- عن عمله أجيال، وهو أمر ليس من السهولة فعله وعمله؛ كونه تغييراً اجتماعياً لا يمكن أن يحصل بكبسة زر، في ظل نجاح الاستبداد في زرع الشكوك وعوامل اللاثقة والخوف والقلق من الآخر، فكانت الشكوك والقلق والخوف من الآخر ليس على مستوى الشعوب والأهالي؛ وإنما على مستوى النخب التي نقلت صراعاتها الأيديولوجية والفكرية لتصفيتها على حساب الثورة والشعوب الحرة. فصراعات عمرها عشرات السنين وربما مئات السنين ظن بعض السذّج أنها يمكن أن تُصفّى بأيام وسنوات.
لقد نجح الاستبداد في فترته الطويلة في تصحير الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وحين انشقت بعض النخب عن هذا الاستبداد، كانت بحسن نية أو بسوئها تكرر ما يقوله ويفعله من عاشه في كنفه، فعلاقاتها هي علاقات الاستبداد نفسها ولغتها وطريقة تعاطيها كذلك، ومن ثم سريعاً ما استطاع الاستبداد الخارجي كسبها لصفه؛ كونها لا تزال تعمل ضمن المنظومتين الدولية والإقليمية، فكان ذلك كله على حساب الشباب العربي الذي انتفض مطالباً بسقوف عالية من الحرية، ليجد الأخير نفسه أمام رموز جديدة كانت بالأمس في صف الاستبداد بشقيه العربي والخارجي، وهو أكثر ما يعنيه ضمان مصالحه ومنع الشعوب من نيل حريتها؛ كون مثل هذه الحرية ستهدده وستهدد مصالحه على المدى كله القريب والمتوسط والبعيد. مثل هذا الواقع الأليم زاد الشُّقّة والفجوة بين جيل الشباب الذي يمثّل غالبية المشاركين في الثورة؛ كونه يمثّل اليوم ثلاثة أرباع الشعوب العربية، وبينهم من تصدّر مشهد قيادته، وهو الأمر الذي قد يهدد بربيع عربي آخر أكثر عنفاً وأكثر تسونامياً من الأول؛ فالتحايل على الثورات العربية وعلى الربيع العربي، ومحاولة تقديم رموز جديدة لكن بعيدة عن الشباب وهمومه ومصالحه وأشواقه؛ إنما بمنزلة وضع خمر قديم في زجاجات جديدة كما يقول المثل الإنجليري. وفي الحلقة المقبلة، سنتحدث بإذن الله عن مسؤولية الربيع العربي ونخبه تجاه هذا التفتت والتشرذم.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.