الأربعاء 13 ربيع الثاني / 11 ديسمبر 2019
02:04 ص بتوقيت الدوحة

الفرار من النعيم!

الفرار من النعيم!
الفرار من النعيم!
يعدُّ النعيم هدفاً يسعى إِليه كل إنسان أَو كل مدرك لمعنى الحياة، ويبذل في سبيل الوصول إِليه جهداً ووقتاً كبيرين. ومن بلغه أَو وصل إِلى ضفافه يعدّ ممن نال حظاً وافراً في الدنيا. فهل المقصود ممن بلغ النعيم أَن يفرَّ منه بعد طول العناء الذي واجهه في سبيل الوصول إِليه؟ وهل يعني كذلك التحول إلى الجحيم الذي هو نقيض النعيم؟
إن ما أَعنيه هنا؛ الفرار من النعومة إِلى الخشونة، ومن الترف إِلى الشظَف، ومن بذخ القصور إِلى قسوة الصحراء، فقد كشفتْ لنا الفطرة أن الإنسان مجبول على التعايش مع تقلباتها، وقد بيَّن الشعر العربي حقيقة هذا الأمر، وميل العربي إِلى حياة يصنعُها بيده، لا إلى حياة مسبقة الصنع في ردهات القصور. فقد أوصى الفاروقُ، رضي الله عنه، أَن «اخشوشنوا فإِنَّ النعم لا تدوم»... وقد رغِب البعضُ بالخشونة، لا خشية من نفاد النعمة وتبدل الحال وسوء المآل، بل بدافع الخروج من رتابة العيشِ وحلقَتِه المُفرَغة المملّة إلى حياة ملؤُها الارتجالاتُ والاحتمالات. فتلك ميسونُ بنتُ بحدلٍ الكلبية، زوج معاوية ابن أبي سفيان، التي ضجت بحياة البذخ والنعيم والقصور وما فيها من ملذات، تعبّر عن ضجرها من هذا كله في قولها:
لبيتٌ تخفقُ الأَرواح فيــــــه
أَحبُّ إليّ مــن قصرٍ منيفِ
وكلبٌ ينبحُ الطرّاقَ دوني
أَحبُّ إلي من قــــــــط أَلـــــــــيف

لتتجلى لنا فطرة الإِنسان ونزعتُه للعيش في الطبيعة التي خلقها الخالقُ، لا في المترفات التي استحدثها الخلق، ولتذوق جمال الطبيعة الذي لم تطمثه يد البشر، ولم تعكِّرْه أنفاس الخلائق. وإِليكم المفاضلة الرائعة بين الصحراء والقصور في حوارية «ليلى والمجنون» لأَحمد شوقي، إِذ تقول ليلى:
أَكنتَ من الدُّور أَو في القصور
تـــــــــرى هذه القبــــــــة الصافيــــــــــــــــــــة
كــــــــــــــأَن النجـــــــــوم على صدرهــــــــا
قلائـــــــــــــــد مـــــــــــــاس على غانيـــــــــة

فخليق بالإِنسان أَن يفرَّ من الشوائب إِلى الصفاء، ومن ضيق الحجرات إِلى سعة الفلوات، ومن تزاحم المدن وتراكمها إِلى ثوب الطبيعة الفضفاض، وخصوصاً في زماننا هذا الذي أصبح يضجِّ بفتن الرتابة والتكنولوجيا المُغرقة في ترفيه الإِنسان وتنعيمه. كما يجب على الإِنسان أَن يخوض غمار تجارب الحياة المختلفة، ومنها الحياة الخشنة ليدرك عظمة نعيم الله وفضله، وليشعر بغيره ممن يعيشون، رغماً عنهم، حياة قاسية خشنة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

عَسَسُ الشعراء

08 ديسمبر 2019

روعة التصوير في الشعر

01 ديسمبر 2019

ساحة الوصفِ في الشعر

24 نوفمبر 2019

جدلية الموت في الشعر

17 نوفمبر 2019

الرّبابُ والشعر

10 نوفمبر 2019

منظار امرئ القيس

03 نوفمبر 2019