الثلاثاء 21 ربيع الأول / 19 نوفمبر 2019
01:47 م بتوقيت الدوحة

بريطانيا بين اللا خيار واللا خروج (2-2)

بريطانيا بين اللا خيار واللا خروج       (2-2)
بريطانيا بين اللا خيار واللا خروج (2-2)
كما أوضح بقوة واستفاضة داني رودريك -أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد- فإن هذه النظرة للدول القومية، التي تعتبرها مجرد أدوات للتكامل العالمي، تتجاهل حقيقة مفادها أن الحكومات المعاصرة مسؤولة بشكل عام أمام شعوبها عن قراراتها، فقد يفيد هذا التكامل الاقتصادي الجميع في الأمد البعيد، لكنه يسبّب خللاً اقتصادياً وثقافياً كبيراً في الأمد القريب، ولهذا السبب نشأ صراع بين التكامل الاقتصادي والسياسات الديمقراطية.
كان مهندسو الاتحاد الأوروبي ينظرون إلى أعضاء الاتحاد من الدول القومية في المقام الأول، على أنها أدوات قانونية للتأسيس لحريات السوق الموحدة الأربع وهي: "حرية حركة السلع والأموال والخدمات والعمالة"، لكن الحكومات في الاتحاد الأوروبي مسؤولة أمام ناخبيها، ولا يمكنها تجاهل تكاليف التكامل الاقتصادي بالقدر نفسه من الاستخفاف الذي تسنى لحكومات القرن التاسع عشر، التي كانت مهووسة بالجماهير الانتخابية الصغيرة والإمبراطوريات الواسعة.
منذ زمن بعيد، أدرك أنصار التكامل الأوروبي الرصينون مشكلة القصور الديمقراطي في الاتحاد الأوروبي، لكن التحرك لمعالجة هذا الأمر كان محدوداً للغاية، فالممارسات السياسية -عكس الاقتصادات- لم تنتقل إلى ما وراء الحدود القومية بشكل مؤثر أو جوهري، لذا كان من المنطقي تماماً أن يطالب المقتنعون بفكرة التكامل الأوروبي، مثل وزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس، بإنشاء الولايات المتحدة الأوروبية، فليس هناك -في رأيهم- ما هو أقدر على تحويل السوق الموحدة إلى كيان شرعي ديمقراطياً من برلمان حقيقي يحاسب رئيساً منتخباً.
لكن فكرة الولايات المتحدة الأوروبية تتجاوز أساليب السياسة العملية، فلا يمكن إضفاء الشرعية على ديمقراطية بعينها بمجرد كتابة دستور جديد، إذ يجب أن يكون لدى الناخبين شعور داخلي متأصل بالتملك والتحكم في سياسة بلادهم، ومثل هذا الشعور بالتملك والالتزام ينمو طبيعياً وليس إلزامياً.
لذا برغم كل المعلومات الإضافية التي صارت متاحة لنا الآن عن تكاليف وتعقيدات الخروج البريطاني، فإن الجدال بشأنه لم يراوح مكانه، ولم يتقدم خطوة للأمام منذ صيف 2016، في الثالث عشر من يونيو 2016، كتب الصحافي البريطاني أمبروس إيفانز-بريتشارد، وهو من مؤيدي الخروج من الاتحاد الأوروبي، مقالاً في صحيفة ديلي تليجراف، تحدث فيه عن "الاختيار المصيري لبريطانيا: إما استعادة هذه الأمة للحكم الذاتي الكامل، أو مواصلة العيش تحت نظام فوق وطني علوي، يحكمه المجلس الأوروبي الذي لا ننتخبه بأي معنى حقيقي".
يوافق رودريك على أن "قوانين الاتحاد الأوروبي المطلوبة لدعم سوق أوروبية موحدة، قد امتد نطاقها بشكل كبير، ليتجاوز حدود ما يمكن دعمه بالشرعية الديمقراطية"، لكنه يظل متفائلاً بإمكانية نشوء نظام حكم أوروبي موحد لدعم السوق الموحدة.
السؤال هو ما إذا كان بوسع المملكة المتحدة الآن اختيار حكم ذاتي حقيقي، إذ يبدو أنها عالقة في شبكة لا مهرب منها، وإذا أصبحت هذه الورطة محسوسة على نطاق أوسع بين جمهور الناخبين في الاتحاد الأوروبي، فإن هذا يعني نهاية الديمقراطية الليبرالية الأوروبية، وما عودة الأشباح ببعيدة، وأعني هنا ارتفاع مد الديمقراطية غير الليبرالية، إن لم يكن ما هو أسوأ.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.