الثلاثاء 18 ذو الحجة / 20 أغسطس 2019
05:47 م بتوقيت الدوحة

الحَميَّة

الحَميَّة
الحَميَّة
ينبع هذا المصطلح من مصدر الحماوَةِ، وتنبع الحماوة من النار، وتنبع نار الحَمِيَّة من صدر العربيّ، وما أجملَ ما قال نزار وهو يصف تدجين الشعوب العربية وتهجين أخلاقها، فقال: أطفئوا الجمر الذي يُلهِبُ صدر البدوي
كان هذا الجمر في حاجة إلى إرشاد لا إلى إخماد، فالحَمِيَّة طاقة هائلة تشتمل على النخوة والمروءة، وكثير من عظائم الخصال وطيب الخلال، لكنَّها كانت في الجاهلية تعدو على جواد مجنون لا يَعرف مستقراً ولا يهتدي سبيلاً. كانت سيفاً يبطش يمنة ويَسرَةً، غير آبه بالحقّ والباطل والخطأ والصواب، ولا مميزٍ بين الدم الحِلّ والدم المعصوم، إنما كان معيارها التعصب الأعمى للقبيلة، والثقة المطلقة بقرارها. وخير تجسيد لهذا، قول الشاعر:
ومَا أنَا إلا من غَزِيَّةَ إنْ غوَتْ غوَيْتُ، وإنْ تَرشُدْ غزَّيَةُ أَرْشُدِ

هذه الحمية الطائشة ظهرتْ في كثير من الأشعار، وتسبَّبَت في حروب الثأْرِ العبثية التي أَفسدت ذات البين، وجعلت العرب لُقمة سائغة لأَعدائهم، بعد أن كسروا شوكتهم وأذهبوا ريحهُم بأيديهم. وهذا أبو أُذَيْنَة اللخمي يزيد النار أُوَاراً والمِلْح أُجاجاً، والبحر هِياجاً، فيقول:

هُمْ جَرَّدُوا السَّيْفَ فاجْعَلْهُمْ له جَزَراً وأَضْرَمُوا النَّارَ فاجْعَلْهُمْ لها حَطَبـا
عـلامَ نَقْبَــــــــلُ إِبْـــــلاً منهــــــــــــمُ، وهُـــــــــمُ لا فِضَّــــــة قبِلُــــــــــوا مِنَّـــــا ولا ذَهَبـــــــــــــا

فتسبَبَتْ أبياته هذه بمقتل أَسارَى كان النعمان قد أَوشك على إطلاقهم، لولا أنْ هيَّج الشاعر فيه حمِيَّتَه الهوجاء. ولذلك ذمّ ربنا جلّ وعلا الحَمِيَّة وخصَّها بحَمِيَّة الجاهلية، أي أنها ليست مذمومة على إِطلاقها، وخير مثال على الحَمِيَّة المحمودة؛ تلبية المعتصم صوت الزِبَطْرِية على الخيل البُلْقِ والنتيجة فتحُ الفتوحِ.
لذلك كله؛ أرى أن الحمية النافعة هي الحمية للحق وأهله، وللعلم وفضله، من دون حمق ولا سفه، وأيما امرئ بغى بحميته على أحد من عباد الله أو عبيده فإنه بذلك يعتدي على الإنسانية جمعاء، ويخالف غاية خلقه، وأمر خالقه. فلتثر حميتك بعد إذن عقلك الراجح، الذي يتدبر الأمور فيميز حقها من باطلها وعدلها من ظلمها، فلا تدع العقل يتبع حميتك بل اجعل حميتك سيفَ عدلٍ في يد عقلك وفكرك وخلقك الكريم، وبذلك حتماً ستصبح الحمية نافعة ومثمرة، تعود بالخير على صاحبها وعلى المجتمع.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

لَطائفُ الحَجِّ

18 أغسطس 2019

أخي الحاجّ

11 أغسطس 2019

شعيرة التمام

04 أغسطس 2019

في رحاب حج البيت

28 يوليه 2019

مفاهيم تثاقفية

21 يوليه 2019

مفاتيح المعرفة

14 يوليه 2019