الثلاثاء 18 ذو الحجة / 20 أغسطس 2019
09:44 م بتوقيت الدوحة

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (3-3)

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (3-3)
المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (3-3)
إن الحكم الوراثي السلالي كان جزءاً من ثقافة العرب عموماً، فإذا مات شيخ القبيلة ورثه ابنه، فإن لم يتهيّأ كان أقرب الناس إليه، ودول العالم المجاور للجزيرة -على الأقل- لم تكن تعرف غير هذا، وحينما جاء الإسلام لم يأتِ نص صريح بتحريم هذا الشكل من الحكم، كما جاء مثلاً تحريم الخمر والربا، وسياسة الخلفاء الراشدين -على أهميتها- لا يمكن أن تشكّل قناعة قوية بالتحريم، خاصة أنها تركت ثغرات سياسية وأمنية كادت أن تودي بالدولة والمشروع الإسلامي كله، ويكفي تمكّن المارقين من قتل الخلفاء الثلاثة الواحد تلو الآخر -كما مرّ- وظهور بوادر النزاع الدستوري والسياسي في كل مرة.
أما الشورى، فرغم أهميتها العظمى فإن اعتمادها آلية وحيدة في اختيار الحاكم وبالصورة التي يتخيلها «التنويريون» اليوم، لا يخلو من التكلف والمثالية البعيدة عن الواقع، فأهل السقيفة الذين تشاوروا في اختيار أبي بكر، وحتى لو كان معهم كل أهل المدينة لا يمكن اعتبارهم عدداً كافياً لتمثيل الأمة التي تنتشر في كل الجزيرة إلى أطراف الشام والعراق، وكذلك طريقة اختيار عمر ثم عثمان ثم علي، فالأمة خارج المدينة كانت تتلقى الأخبار، ثم تتابع، فهل كانت الأمة قد خوّلت أهل المدينة بذلك؟
الحقيقة، أن الذي كان يحكم المعادلة هو الواقع، لأن أدوات التواصل الشوري بين الأقاليم الإسلامية كانت أشبه بالمستحيل، خاصة أننا نتكلم عن الشورى التي تضمن اختيار الأمة وإرادتها، لكن حينما كانت الثقة بين الأمة وأهل المدينة ثقة مطلقة لم يبدر خلاف معتبر، أما بعد أن دخلت الفتنة إلى المدينة وتم قتل عثمان -رضي الله عنه- ولم يستطع أهل المدينة أن يحموه، ولا أن يستعيدوا هيبة الخلافة، فكيف نطالب الأقاليم القوية والمستقرة كمصر والشام بمتابعة أهل المدينة وهي على هذه الحال؟ ولو افترضنا أن مصر والشام قد اجتمعوا على خليفة بعد مقتل عثمان، فهل لهم ذلك، أو أن هذا لأهل المدينة خاصة، وما المعيار الشرعي أو السياسي الحاكم في ذلك؟ فإذا أضيف إلى هذا أن صحابة كثر من أهل المدينة قد خرجوا على خلافة المدينة، ومنهم طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنهم- ندرك عمق المأزق السياسي الذي يحاول بعض الباحثين تبسيطه إلى حدّ السذاجة، بالزعم أن هنالك من يمثّل خط النور والرشد والهداية، وأن كل خارج عنه إنما هو خارج إلى الضلال والانحراف! فإذا أعيتهم الحيل تقمّصوا شخصية الإنسان العامّي البسيط، وراحوا يتنازلون عن عروشهم الفكرية ليلتقطوا رواية من هنا وأخرى من هناك، بطريقة انتقائية مجزّأة من غير ربط ولا تحليل ولا تعليل.
وعودة على معيار «الحكم الوراثي» الذي جعلوه أساً للانحراف والدليل القاطع عليه، لنسأل: هب أن معاوية قد اخترع هذا الشكل اختراعاً، وهو مخالف بذلك للشورى ولكل قيم الإسلام، فلماذا أصرّت الأمة عليه في عصورها المختلفة؟ الأمويين والعباسيين والأيوبيين والعثمانيين وغيرهم؟ هل كل هؤلاء منحرفون؟ وإذا كان الإسلام -بزعمكم- لم يستطع أن يقنع أتباعه على مرّ القرون بقيمه ومبادئه، فبِمَ نبشّر العالم؟ وما الرسالة التي نحملها إليهم؟ ومن ذاك الذي يحملها أصلاً؟
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.