السبت 16 رجب / 23 مارس 2019
01:47 م بتوقيت الدوحة

المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (2-3)

133
المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (2-3)
المعايير الناقصة والمغلوطة في محاكمة التاريخ (2-3)
من الغريب جداً أن «المتنورين» بروح العصر وقيمه وثقافته، يجعلون معيار الحكم على تلك المرحلة معياراً مستنداً بالأساس إلى روح «القداسة» أو قداسة «الروح»، فمرة يحدّثونك عن جريمة الخروج على الإمام علي، بمحاكمة أحادية الجانب، مستندة بالأساس إلى حالة من التقديس لشخص علي -رضي الله عنه- ومرة يحدثونك عن الانحراف الروحي، حيث تحولت الخلافة من سمتها الروحي القائم على الزهد والتقشّف إلى ملك عضوض يقوم على الترف وحب الدنيا.

ولمناقشة هذين المعيارين، أحثّ القارئ المنصف أن يتمعن أولاً في هذه الآية الشريفة: «قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرّد من قوارير»، فهذا الصرح الذي أدهش ملكة من ملوك الدنيا حتى إنها حسبته بحيرة ماء، وما درت أنه مبنيّ من الزجاج، كان جزءاً من قصر نبيّ الله سليمان -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- وما أظن أن معاوية ولا غيره من الأمويين أو العباسيين قد بنى مثله، وهذه الآية تجعلنا نجزم أن سمت الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- في الزهد والتقشّف كان سمتاً منبثقاً من طبيعتهم وبيئتهم التي نشؤوا فيها، وليس شرطاً من شروط الحكم الرشيد، فلا يطلب من الحاكم المسلم أن ينام على الرمل أو يحلب الشاة أو يلبس المرقّعات، خاصة بعد أن رأينا أن هذا الزهد قد سهّل على الأعداء المتربصين الوصول إلى مركز القيادة في الأمة، فتم قتل الخلفاء الثلاثة «عمر وعثمان وعلي» بأسهل الممكن، وكادت الأمة كلها أن تذهب وتنتهي، بينما لم يتمكن أولئك من الوصول إلى أي خليفة أموي أو عباسي، فبأي منهج علمي أو سياسي أو إداري يتم إغفال هذه الحقائق، ويُكتفى بمحاكمة التاريخ بمعيار الزهد والورع ونقاوة الروح، وكأن الإسلام يدعو إلى حكم ديني مقدّس، يرأسه قديسون وليس بشراً مثل بقية البشر.

أما الحديث، فقد روى البخاري في صحيحه حواراً بين العباس وعلي حول خلافة الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا نصّه: «أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- خرج من عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال أصبح بحمد الله بارئاً، فأخذ بيده عباس بن عبدالمطلب فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، وإني والله لأرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سوف يُتوفى من وجعه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبدالمطلب عند الموت، اذهب بنا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلنسأله فيمن هذا الأمر، إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا، فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده».

إن هذه الرواية تكمّل لنا الصورة المعبّرة بشكل عادل ومتوازن عن طبيعة ذلك العصر ونظرته للحكم والحاكم، وكيف أن الحكم الوراثي السلالي ما زال جزءاً من الثقافة العامة، فالصحابة -رضي الله عنهم- لم يخرجوا عن بيئتهم، ولم ينسلخوا من بشريتهم، وإن كانوا متفاوتين في فضلهم ومكانتهم.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.