الخميس 19 محرم / 19 سبتمبر 2019
03:37 ص بتوقيت الدوحة

اختيار اليسار (1-2)

اختيار اليسار (1-2)
اختيار اليسار (1-2)
من المعقول أن نقول، إن المستفيدين الأساسيين في عالم السياسة من الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية التي أحدثتها العولمة والتغير التكنولوجي حتى الآن هم الشعبويون اليمينيون، فقد صعد إلى السلطة ساسة من أمثال دونالد ترمب في الولايات المتحدة، وفيكتور أوربان في المجر، وجايير بولسونارو في البرازيل، من خلال الاستفادة من العداء المتزايد ضد النخب السياسية الراسخة، واستغلال المشاعر المستترة المعادية للمهاجرين.
كانت الجماعات اليسارية والتقدمية مفقودة في المعركة إلى حدٍ كبير، ويعكس ضعف اليسار النسبي جزئياً تراجع النقابات والجماعات العمالية المنظمة، والتي كانت تاريخياً تشكل العمود الفقري للحركات اليسارية والاشتراكية، لكن التنازل الأيديولوجي لعب أيضاً دوراً مهماً، فبعد أن أصبحت أحزاب اليسار أكثر اعتماداً على النخب المثقفة بدلاً من الطبقة العاملة، انحازت أفكارها السياسية بشكل أوثق إلى المصالح المالية والشركات. ظلت العلاجات المعروضة من قبل الأحزاب اليسارية الرئيسية محدودة على نحو مماثل: زيادة الإنفاق على التعليم، وتحسين سياسات الرفاهة الاجتماعية، ونظام ضريبي أكثر تدرجية، والقليل من أمور أخرى، كان برنامج اليسار يدور حول تلطيف مرارة النظام السائد وليس معالجة المصادرة الأساسية لأشكال التفاوت الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. الآن، نستشعر اعترافاً متزايد القوة بأن السياسات الضريبية والتحويلات بلغت منتهى دورة حياتها، فعلى الرغم من توفر حيّز كبير لتحسين أنظمة الضمان الاجتماعي والضرائب، وخاصة في الولايات المتحدة، هناك احتياج لإصلاحات أكثر عمقاً للمساعدة في تمهيد أرض الميدان لصالح العمال العاديين والأسر عبر نطاق واسع من المجالات، وهذا يعني التركيز على المنتجات، والعمل، والأسواق المالية، وعلى السياسات في التعامل مع التكنولوجيا، وعلى القواعد التي تحكم اللعبة السياسية.
لن يتسنى لنا تحقيق الرخاء الشامل بمجرد إعادة توزيع الدخل ببساطة من الأثرياء إلى الفقراء، أو من الأجزاء الأكثر إنتاجية في الاقتصاد إلى القطاعات الأقل إنتاجية، بل يتطلب الأمر إدماج العمال الأقل مهارة، والشركات الأصغر حجماً، والمناطق المتخلفة عن الركب بشكل أكثر اكتمالاً مع الأجزاء الأكثر تطوراً في الاقتصاد. بعبارة أخرى، يتعين علينا أن نبدأ بإعادة إدماج الاقتصاد المحلي على نحو مثمر، وينبغي للشركات الضخمة والمنتجة أن تلعب دوراً بالغ الأهمية في هذا السياق، إذ يتعين عليها أن تدرك أن نجاحها يتوقف على المنافع العامة التي توفرها حكوماتها الوطنية وشبه الوطنية، كل شيء من القانون والنظام وقواعد الملكية الفكرية إلى البنية الأساسية والاستثمار العام في المهارات والبحث والتطوير. وفي المقابل، ينبغي لها أن تستثمر في مجتمعاتها المحلية، ومورديها، وقوتها العاملة، ليس على سبيل المسؤولية الاجتماعية بل كنشاط أساسي. في عصور سابقة، كانت الحكومات تنخرط في أنشطة الإرشاد الزراعي لنشر تكنولوجيات جديدة لصالح صغار المزارعين، ومن الممكن أن نتبين اليوم دوراً مماثلاً لما يسميه تيموثي بارتك من معهد أبجون لأبحاث تشغيل العمالة «خدمات الإرشاد الصناعي»، وإن كانت الأفكار ذاتها تنطبق على الخدمات الإنتاجية أيضاً، وبوسع الحكومات التي تتعاون مع الشركات لتشجيع نشر التكنولوجيات وأساليب الإدارة الجديدة المبدعة على بقية قطاعات الاقتصاد، أن تستفيد من ذخيرة راسخة من مثل هذه المبادرات.
يتعلق مجال ثانٍ من العمل العام باتجاه التغير التكنولوجي، كانت التكنولوجيات الجديدة مثل الأتمتة «التشغيل الآلي» والذكاء الاصطناعي تحلّ محلّ العمل البشري عادة، مما أثر سلبياً على العمال من ذوي المهارات المتدنية بشكل خاص، لكن هذه الحال ليست حتمية في المستقبل، فبدلاً من تبني سياسات «مثل إعانات الدعم الرأسمالية» التي تشجع عن غير قصد تكنولوجيات تستغني عن العمالة، تستطيع الحكومات أن تعمل على تعزيز التكنولوجيات التي تزيد من الفرص المتاحة للعمال الأقل مهارة في سوق العمل.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.