الثلاثاء 16 رمضان / 21 مايو 2019
08:00 م بتوقيت الدوحة

الثورة خائفة من الثورة!

الثورة خائفة من الثورة!
الثورة خائفة من الثورة!
كعادتهم السنوية «المقدّسة»، ينتظر فريق من التونسيين قدوم شهر يناير بفائض من الشوق، وينتظر فريق آخر انجلاءه بفارغ الصبر، فشهر يناير في هذه البلاد غير ما هو متعارف عليه في بلاد العالم الأخرى، حيث يهرب الجميع إلى بيوتهم من صقيع الشارع، هنا في يناير الساخن، يهرع كثيرون إلى الشارع يراودون الثورة على أي شيء، ويحاولون الثأر من حكومة العام الراحل، حتى بقتل أنفسهم حرقاً!
القصة قديمة، بدأت في يناير من سنة 1952، وحفظتها الأعياد الوطنية باسم «ثورة 18 يناير» ضد المستعمر الفرنسي، ثم أخذت ألقاً جديداً في دولة الاستقلال مع «أحداث يناير 1978»، فـ «أحداث يناير 1984»، إلى أن تربع «14 يناير 2011» على صدارة المشغل التونسي، متخذاً لنفسه اسماً رومانسياً «ثورة الياسمين» مع أن آخر «مشموم ياسمين» يختفي من تونس في منتصف شهر سبتمبر!
يناير الجديد 2019، سيكون «مخيفاً» في نظر أمين عام المركزية النقابية الأولى في البلاد، ولذلك فقد اختار يوم 17 يناير موعداً للإضراب العام في قطاع الوظيفة العمومية، وإمعاناً في التخويف -أو لعلها صدفة ساخرة- «سيصادف» الموعد الجلل يوم خميس، بما يحيل الذاكرة إلى «الخميس الأسود» لأحداث يناير 1978، عندما أقرّ الاتحاد العام التونسي للشغل إضراباً عاماً، نزل فيه الجيش إلى الشوارع لأول مرة، فكانت الحصيلة -حسب تقارير مستقلة- حوالي 400 قتيل وأكثر من ألف جريح، في حين أقرّت حكومة الهادي نويرة آنذاك بسقوط 52 قتيلاً و365 جريحاً فقط!
ليس اتحاد الشغل وحيداً في التلويح بقبضته لـ «يناير المخيف»، فـ «أصحاب السترات الحمراء» -الذين أعلنوا عن أنفسهم ولم يظهروا بعد- يهددون الحكومة بالويل والثبور، والمعارضة «الراديكالية» لا تنفك منذ مدة، تدعو الناس للخروج إلى الشوارع في يناير، لإسقاط «حكومة الفشل»، وللإجهاز على نظام هي جزء منه باعتبارها ممثلة في مجلس النواب، بل ترأس بعض لجانه، لكن المفارقة العجيبة لا تقف عندها، بل تتعداها إلى «انخراط شعبي» في عمليات حرق النفس على خطى بوعزيزي سنة 2011، حيث لا يمر يوم على تونس دون تسجيل حادثة سكب للبنزين وإشعال لولاعة، وإما أن تكون المحاولة جدية فتنجح في الارتقاء بفاعلها إلى لقب «الشهيد»، أو أن تفشل ولصاحبها منها شرف المحاولة!
أما غريبة الغرائب، فتلك التي حدثت هذا الأسبوع مع مصور تلفزيوني يقول شقيقه إنه لا شيء كان ينقصه، وقد ظهر صبيحتها في المقهى على شريط فيديو، وهو يدخن سيجارة بولع، ويرتشف قهوة بهدوء لافت، كان يردد بين الحركتين -لمن كانوا يصوّرونه- أنه قرر إضرام النار في جسده بعد 20 دقيقة، احتجاجاً على التفقير والتهميش، مستدلاً على جدية ما يقول بقارورة بنزين كان يحتضنها إلى أن أزف موعد الـ 20 دقيقة، فسكبها فوق رأسه واضطرمت النار فيه بدون أن يكون قد أشعل شيئاً -حسب الفيديو- وها هم الملتفون حوله ساعتها يمثلون اليوم أمام التحقيق القضائي، لشكوك في أن «العملية تمت بتدبير جماعي محبوك»، كما وصفها أحد نواب الموالاة، وأن أحدهم أشعل ولاعته في ظهره غدراً!
«حوس تفهم» مرة أخرى، فنطاق الغرائب متسع خرقه في تونس، حتى إن الأرجل بانت كثيراً من تحت اللحاف، وزاد الحابل اختلاطاً بالنابل والحق بالباطل، فيما تنقطع أنفاس الإعلام، وهو يلاحق سطوة مواقع التواصل الاجتماعي الغثّة والسمينة، فجميع من لهم ثأر يلهثون وراء بركات «يناير المخيف»، في حين يترجى جميع الخائفين من رئيس الحكومة إنزال قوات الأمن والجيش لقمع الاحتجاجات الليلية السوداء، التي تجددت مع دخول موسم «الليالي البيض»، أما ما لا يفهمه أحد على الإطلاق، فهو أن الفريقين «المتقاتلين» في يناير 2019، هما نفسهما اللذان كانا متعانقين في «ثورة يناير 2011»، بما لا يدع مجالاً للشك في أن الثورة في تونس أصبحت خائفة من الثورة!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

ثماني سنوات

23 ديسمبر 2018

رياح صفراء!

16 ديسمبر 2018

زغردي يا انشراح..!

02 ديسمبر 2018