الخميس 17 صفر / 17 أكتوبر 2019
03:45 ص بتوقيت الدوحة

رياح صفراء!

رياح صفراء!
رياح صفراء!
عندما جاء القرن الحادي والعشرون، اكتملت الفكرة التي أطلقها لأول مرة في التاريخ الإنساني حكام أثينا، بأن يحكم الشعب نفسه باسم الديمقراطية، وأصبح أكثر من نصف سكان العالم يعيشون في حضن نظام سياسي شبه متفق على خطوطه الكبرى، بما من شأنه إبعاد شبح الحروب الأهلية والتطاحن بين طبقات المجتمع، وفي الأثناء اجتهد علماء السياسة في الشرق وفي الغرب لتثقيف عود الديمقراطية وتشذيبه من كل النتوءات، حتى بدا للمتطلعين نحوها أنها الجنة على الأرض، فلم ينفكوا عن نضالاتهم حتى طالوها وطاب لهم المقام بين جنباتها، ثم انبروا يدعون بقية شعوب الدنيا للحاق بهم، كآخر اختراع للفكر الإنساني يضمن العدالة للجميع وييسّر التعايش بسلام.
ظل الأمر كذلك بلا منغصات تقريباً إلى حد أيام قليلة للوراء، عندما ظهرت احتجاجات «أصحاب السترات الصفراء» في عقر دار الديمقراطية «فرنسا»، ففقعوا بلون ستراتهم الفاقع الكرة البلورية الساحرة، لتنتقل العدوى سريعاً إلى دول أوروبية أخرى وحتى عربية «تونس»، ولتصبح ظاهرة لا تستوقف السياسيين فقط، وإنما تدق أجراس الإنذار في مسامع علماء السياسة ومنظريها، بما يستوجب منهم البحث والتمحيص والتجديد.
ذلك أنه إلى حد أيام قليلة للوراء، كان العقد بين الحاكم والمحكوم يقضي بانتخابه لفترة زمنية «4 أو 5 سنوات» عادة، يعود بعدها الجميع إلى صندوق الانتخاب، إما لمجازاة الحاكم بتجديد البيعة له، أو بمعاقبته وإرساله بعيداً عن إدارة الشأن العام مع إحلال البديل المناسب، إلا أن هذه القاعدة أصبحت في طريقها إلى التلاشي مع إصرار أصحاب «السترات الصفراء» في فرنسا على الإطاحة بحكم الرئيس إيمانويل ماكرون بعد سنة ونصف فقط على بداية عهدته، والشيء نفسه تقريباً في هولندا وإيطاليا، في حين ظهر «أصحاب السترات الحمراء» في تونس هذا الأسبوع، قبل نهاية عهدة الحكام الحاليين بأقل من سنة واحدة.
معنى ذلك، أن عقد الولاية الانتخابية بصدد الفسخ من طرف واحد، وهو الطرف الأهم في الحكم الديمقراطي، فلا يمكن لحاكم -أخلاقياً وعملياً- أن يواصل حكم شعب قرر أن يرفضه، حتى وإن كان قد سبق أن اختاره بمحض إرادته للحكم قبل فترة وجيزة، بما يعني أن النظام الديمقراطي بالمفهوم المتداول على وشك أن يعفو عليه الزمن.
أمام الناس اليوم نماذج متعددة من الحكم، لعل أقربها إلى الديمقراطية الليبرالية النموذج السويسري، الذي يهرع إلى الاستفتاءات عند كل خلاف يجد بين المواطنين، من الحكومة إلى البلدية، لكن ذلك يتطلب إمكانيات مادية ضخمة تقدر سويسرا على توفيرها، في حين ترهق دولاً أخرى، وهناك الديمقراطية الاجتماعية في البلدان الاسكندنافية، لكن العالم ليس في ثراء السويد والدنمارك، وهناك الديمقراطية الشعبية التي تتبعها الصين مثلاً، وجميعها لا تحظى برضا الجميع. إذن، يقترب الظن من الجزم بأن العالم أصبح يبحث عن أنماط حكم جديدة، تتماهى مع التطورات الرهيبة التي اجتاحت شتى مناحي الحياة البشرية، والواقع أنه إذا كان حكم الشعب لنفسه بواسطة الديمقراطية أمر فيه قسط وافر من تشريك الفرد في الحكم، فإن ما يفسد للود قضية هو الخلل الفادح في العدالة الاجتماعية، الذي أفرزه منوال التنمية الاقتصادية في عدد من البلدان، وزاد في سوئه الجشع الاقتصادي الذي تمكن من أوصال العالم، فظلم القوي للضعيف، ولا مبالاة الغني بالفقير -دولاً وأفراداً- أشاع التوحش من الجانبين، وبات ينذر بدوران رحى حرب مدمرة، قد تنهار معها كل الرافعات التي أعلى بواسطتها العالم الحديث بنيانه، فأصبح يئن من أوجاع أصابته في مفاصل قيم العدالة، ولن يطول به الحال قبل السقوط مجدداً في تطاحن الطبقات. تلك هي الرياح الآتية، وقد باحت بلونها «السترات الصفراء».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الثورة خائفة من الثورة!

30 ديسمبر 2018

ثماني سنوات

23 ديسمبر 2018

زغردي يا انشراح..!

02 ديسمبر 2018