الجمعة 17 ذو الحجة / 07 أغسطس 2020
06:42 ص بتوقيت الدوحة

زغردي يا انشراح..!

زغردي يا انشراح..!
زغردي يا انشراح..!
ضاقت الأزمة في تونس واستحكمت حلقاتها، فلا يرفع كثير من التونسيين أيديهم عن قلوبهم خوفاً من المجهول، في حين لا يأبه منهم جمع آخر بما يحدث ويدور، لأن القطيعة بينهم وبين السياسة أصبحت بائنة.
لم تكن صدمة «التنظيم السري» لحركة «النهضة» التي أصبحت بسرعة محل أنظار مجلس الأمن القومي كافية، حتى ظهرت رواية «الانقلاب» على الرئيس الباجي قايد السبسي من طرف ابنه الروحي رئيس الحكومة يوسف الشاهد لتزيد العود في تونس رنة، وقد تعهد بها القضاء العسكري أيضاً، وعيّن لها رئيس الدولة وزيراً سابقاً لمتابعتها، وهو محام خرج لتوه من التشكيل الحكومي، في إشارة لا تخطئها العين على احتدام الصراع بين رأسي السلطة التنفيذية.
هناك بين قصري قرطاج والقصبة، تدور حرب باردة منذ أشهر عديدة، وتحديداً منذ اشتهى رئيس الدولة إزاحة رئيس الحكومة الذي كان أتى به قبل سنتين، لكن الأخير عكس شهوته وأعلن «عصياناً دستورياً» توكأ فيه على عصا حركة «النهضة» ذات الأغلبية البرلمانية، ليهش بها على «آل السبسي»، فلم يجد الرئيس الباجي قايد السبسي أمامه سوى اللجوء إلى نفس سلاح «القانون والمؤسسات» بدءاً بإنهاء الوفاق، وبإعلان الطلاق مع «النهضة»، وانتهاء بأن حول قضيتي «التنظيم السري» و»الانقلاب» إلى رأس أولوياته.. هكذا تسلّق الصراع درجات السلم سريعاً، من شخصي إلى سياسي، إلى دستوري إلى قضائي.. وها هو اليوم يحط على طاولة مجلس الأمن القومي الذي يرأسه الباجي قايد السبسي، ويصبح من أنظار المحكمة العسكرية التي يمكن لها أن تعتبر القضية «مهزلة» -كما وصفها رئيس الحكومة- كما يمكن لها أن تصل بالحكم على الضالعين فيها بالإعدام!..
بالعربي الفصيح، يمكن القول -بلا تزيد- إن المعركة وصلت إلى مرحلة كسر العظام رغم أنها لا تزال تدار داخل مؤسسات الدولة التونسية، لكن جميع التونسيين يعلمون أصلها وفصلها.. ويخشون من خروجها عن السيطرة والسقوط في دوائر أخرى تحت دوائر السقوط الأخلاقي الحالي الذي دمر الحياة السياسية في البلاد.
وإذا كانت قضية «التنظيم السري» المتهمة فيها حركة «النهضة» وهي مباشرة للحكم، محل جدل يراوح بين القانوني والسياسي، فإن قوام قضية «الانقلاب» هو تسجيلات مسترقة من جلسات في حفل ختان، وبعضها من مكاتب مغلقة امتلكها رجل الأعمال الوافد على السياسة من ليبيا سليم الرياحي، سجلها يوم كان حليفاً ملاصقاً لرئيس الحكومة، وقبل أن يصبح -بحكم السياحة الحزبية- أمين عام حزب رئيس الدولة «نداء تونس».. ويقال إنها تحتوي على «نقاشات خشنة» بين فاعلين سياسيين من صف رئيس الحكومة يوسف الشاهد، ومدارها طريقة الخروج من الأزمة السياسية المستفحلة، رأى فيها صاحبها ما يكفي لتوجيه تهمة الشروع في الانقلاب، فتقدم بها إلى القضاء العسكري ليس فقط لأنها أمر جلل، بل أيضاً لأن من الأسماء الواردة في قضية «الانقلاب على الرئيس» اسم مدير الأمن الرئاسي، وهو لا يزال على رأس عمله إلى اليوم، «وحوس تفهم»، كما يقول الجزائري عندما تداهمه الحيرة!
وفي الحقيقة، فإن الحديث عن الانقلاب في تونس أصبح كالحديث عن أطباق الطعام اليومية بين الأزواج، فقد واجه وزير الداخلية السابق قبل بضعة شهور تهمة الانقلاب، ورمى بها المرزوقي في وجه المستنكفين من رئاسته للبلاد.. لكن إذا كان كل ذلك أمراً مؤلماً، فإن الأكثر إيلاماً أن المجالس أصبحت بلا أمان في تونس.. وبات التنافس من أجل الحصول على أحدث أجهزة التسجيل السري رياضة شعبية أولى بين أغلب الفاعلين السياسيين الجدد، فحلت الشكوك في كل شيء، وانعدمت الثقة بدرجة لم يسبق لها مثيل في أحلك فترات الاستبداد.. عندما كانت تلك الممارسات القميئة حكراً على المخبرين الصغار، لتصبح اليوم ممارسات «نخبوية»، والبعرة تدل على البعير!..
يحدث ذلك والحليب مفقود من السوق، وقد كان «مدلوقا» في الشوارع، والدينار التونسي في أسقط درجاته، والمهربون يستحوذون على أكثر من نصف ميكانيزمات الاقتصاد، ويحتجزون أعوان الجمارك، والأساتذة يمتنعون عن إجراء الامتحانات، والتلاميذ يهاجمون ويحرقون معاهدهم، وأرباب الأعمال يرفضون خلاص فواتير الكهرباء، والموظفون يستعدون للأضراب العام الثاني على التوالي.. و»زغردي يا انشراح..اللي جاي أحسن م اللي راح»!.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

الثورة خائفة من الثورة!

30 ديسمبر 2018

ثماني سنوات

23 ديسمبر 2018

رياح صفراء!

16 ديسمبر 2018