السبت 16 رجب / 23 مارس 2019
05:18 م بتوقيت الدوحة

تأريخ النصر والهزيمة

138
تأريخ النصر  والهزيمة
تأريخ النصر والهزيمة
إن أغلب التاريخ يكتبه المنتصرون.. هذا القول نسبياً صحيح. مثلاً هتلر مهزوم؛ لذا نرى التاريخ يتحدث عن جرائمه وسيئاته، بينما نسمع عبارات المدح والثناء على الرئيس ترومان الذي قصف اليابان بالقنبلة النووية، وتشرشل الذي كان سبباً في موت مليون شخص جوعاً في الهند. وتشرشل هذا نفسه الذي قال: «التاريخ سيكون كريماً معي؛ لأنني من سيكتبه». لكن التاريخ يكتبه أيضاً المهزومون، وكذلك المتوحشون والأفّاقون والمجرمون، وكل هؤلاء لهم روايتهم أيضاً!

وإذ يصرّ الكثير على مقولة «التاريخ يكتبه المنتصرون»، إلا أن ذلك لا يمنع من القول إن المنتصرين قد يكذبون ويجمّلون وينمّقون، لا بل يكذبون أكثر من اللازم؛ لأنهم يخفون فظائعهم أو يلصقونها بالمنهزمين، والمنهزم ميت، والميت لا يدافع عن نفسه.
وللمنتصرين أو المهزومين روايتهم عن الصراع والأحداث. مثلاً الروس كتبوا روايتهم عن الهزيمة والانتصار، مرة مع نابليون، وأخرى مع هتلر. والألمان كتبوا روايتهم عن هزيمتهم في روسيا، لكنهم كتبوا قصة صمودهم في الحرب في مواجهة الحلفاء، تماماً كما فعل اليابانيون في مواجهة الأميركان؛ فهم برغم هزيمتهم، كتبوا قصة صمودهم ومأساتهم في الحرب القاسية. الأميركيون كتبوا هم أيضاً روايتهم عن هزيمتهم في مواجهة الفيتناميين، كما نسجوا أساطير عن صمود جنودهم في الأدغال والمستنقعات. وهناك كثير من الأفلام السينمائية والوثائقية التي تؤرخ لهذا الحدث. والأمم في التاريخ كله تفعل ذلك، ولكن قليلة هي الأمم التي استفادت من دروس التاريخ، وكثيرة هي التي راكمت أخطاء على أخطاء.
لو جئنا لتاريخ العرب، لوجدناه انتقائياً بشكل عجيب. ما درسناه ويُدرّس في مدارسنا وجامعاتنا لا يعدو أن يكون تاريخاً «ناعماً» و«وردي الصورة»، ومن كتبه غضّ الطرف عن كثير من المنعطفات التاريخية المؤلمة، وأبقى على الأحداث الجميلة فقط؛ فأفقدنا معرفة تلك الأخطاء الكارثية التي وقع فيها أجدادنا وأسلافنا. وفي ظني أن العرب من الأمم القليلة ربما التي لا تملك رواية واحدة عن تاريخ أحداثها، لا عن انتصاراتها ولا هزائمها.

فاصلة:
إن أحداث التاريخ التي يجري إيداعها في بطون الكتب لا يكتبها المنتصر وحده، وإنما ثمة دور أيضاً للمنهزم في أحيان كثيرة، وهذا الأخير دائماً يندب حظه في كتاباته. وعليه، لا بد من إعادة التحقق من التاريخ بإعادة قراءته وتدقيقه وتمحيصه وليست كتابته، وعرض ما فيه من حقائق على محكمة العقل لتقول فيه القول الفصل.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

وعاد آذار

11 مارس 2019

ما بين جُحا و«جوبلز»!

25 فبراير 2019

اضحك من قلبك!

18 فبراير 2019