الثلاثاء 19 رجب / 26 مارس 2019
01:05 م بتوقيت الدوحة

هل نحن «قادة» أم «مديرون»؟

149
هل نحن «قادة» أم «مديرون»؟
هل نحن «قادة» أم «مديرون»؟
الفرق شاسع بين القيادة والإدارة، وبدقة أكبر بين «المدير» من جهة و«القائد المدير» من الجهة المقابلة، فالصورة التقليدية النمطية للمدير «the typical manager» تظهر أنه مسكون بالنصوص الحرفية من الأنظمة والإجراءات وقوانين العمل، وهي بالنسبة له من المقدسات ولو شابها عوج ، واختراقها يُعد محرماً من المحرمات، همّه تسيير الأعمال يوماً بيوم، يفتقد إلى استراتيجية واضحة للتصرف معتمداً ردات الفعل، غالباً ما يفتقر إلى رؤية بعيدة المدى، أغلب همه تنفيذ الموجود من الخطط أكثر من صياغة خطط جديدة، والمدير يضع نفسه بصندوق ولا يسمح لنفسه أو لمرؤوسيه بالخروج منه، غالباً ما يدّعي الإنجاز لنفسه، ويعتمد في التأثير على مرؤوسيه على سلطة العقاب والثواب الممنوحة له بحكم موقعه ووظيفته «the bureau»، لا يميل للتغيير ورحيله لا يترك أثراً واضحاً طويل المدى، يسعى للمساواة بين من يرأسهم أكثر من إحقاق العدالة بينهم، عادة ما يردد جملاً مثل: «افعل هذا، لا تفعل ذاك»، «أنا أسعى إلى تنفيذ خطة قسمي»، «لا يعنيني لماذا تأخرت عن العمل»، المدير غالباً ما يفتقر إلى الإبداع ولا يحضّ عليه، يهتم بالإنتاج «وما يمكن حسابه كمياً»، أكثر من الإنتاجية «القيمة النوعية المضافة لعمل الفرد»، المدير يهتم بطريقة أداء العمل أكثر من اهتمامه بنتائج العمل، المدير لا يعير اهتماماً واضحاً لحاجات مرؤوسيه الشخصية أو المهنية، ويتحالف مع الإدارة ضدهم لغايات وصوله للأعلى، المدير غالباً ما يتصيد الأخطاء ويفتخر بأنه ضبط الموظف أثناء سلوك خاطئ، المدير لا يمكن أن ينتج قادة.
أما القائد، «القائد المدير تحديداً»، فهو إلى جانب معرفته بأنظمة العمل ولوائحه وإجراءاته وسعيه لتنفيذ الخطط الموضوعة، فإن لديه القدرة على قراءة ما بين سطور القوانين واللوائح والإجراءات بروحها لا بنصّها وحسب، وبالنسبة له، فإن قوانين العمل التي لا تحقق العدالة ظالمة، وكسر جمودها «حلال» طالما تحقق المصلحة العامة! القائد همّه مقدار الإنجاز بنهاية اليوم، هو يمتلك رؤية بعيدة المدى واستراتيجية واضحة للتصرف وخططاً بديلة، والمدير القائد يدخل الصندوق حيث يقبع الموظف، يستكشفان معاً ما بداخله، ثم يخرج ويده بيد الموظف لاستكشاف ما بخارج الصندوق بالعالم الأرحب، القائد ينسب الإنجاز لأتباعه، ويعتمد في التأثير عليهم على تكريس ثقتهم به وبكونه نموذجاً يحتذى، يرحب بالتغيير ويحض عليه ويستثمره لصالح أتباعه والمؤسسة بآن واحد، رحيله يترك أثراً بالغاً وطويل المدى، وهو بكل الأحوال يخلق قادة يخلفونه، عادة ما يردد القائد جملاً مثل: «دعونا نفعل هذا معاً»، «نحن نسعى لتنفيذ خطة قسمنا»، «لا بد أنك تأخرت عن العمل لزحمة الطريق»، والقائد يشجع الإبداع ويكافئ المبدعين، يبث الروح بالمكان ويحضّ على التعاون بين أعضاء الفريق، يطلب المشورة، ويشجع إبداء المقترحات لتحسين العمل، هو يهتم بالإنتاجية «القيمة النوعية المضافة لعمل الفرد»، وبنتائج العمل أكثر من طريقة أدائه، المدير القائد هو أخ وصديق ومدرب.
لا شك أن «المدير» عادة ما يكون بيروقراطياً وتكنوقراطياً محترفاً، والنسخة المحسّنة منه ليست سيئة تماماً، فما زلنا نحتاج لمعرفته التخصصية وتركيزه على التفاصيل، ونحتاج مهاراته الإدارية بالتنظيم وتسيير الأعمال وتنفيذ الخطط، ولكن المؤسسة صاحبة الحظ السعيد هي تلك القادرة على امتلاك «القادة المديرين»، قادة يمارسون الإدارة فناً وعلماً وتأثيراً.
ما يحزن النفس أن كثيراً من مؤسساتنا العربية تفتقر للقادة المديرين المحترفين، بل تفتقر للقادة أصلاً وبأضعف تقدير، هذا يفسر جانباً من تخلّف مؤسساتنا على اختلافها عن اللحاق بركب التقدم والرقي، كم نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى «المديرين القادة»! لكن، وللحق، فإن ثمن ممارسة القيادة في مؤسساتنا باهظ، لا يحتمل، يصل أحياناً للتهديد بلقمة العيش! فالقائد لدينا هو عدو لدود، وهو كافر بدين الملة ومرتد عنها، فدمه وماله حلال مستباح، القائد لدينا فيروس ضار، ترفضه أجساد مؤسساتنا وتهاجمه بكل ما لديها من كريات الدم السوداء! وكل ذنبه أنه حر يرفض دسّ رأسه بين رؤوس القطيع ليتبع «مرياعاً» لا يعرف أين يسير! فما فائدة أن تكون قائداً، داعياً للتغيير وتجد نفسك بعد حين خارج المؤسسة تبحث عن طعام تضعه على مائدة أطفالك وأسرتك، ولا تجد! مسكين أيها القائد في بلادي!! فالقائد لدينا هو نفسه من يحتاج قيادة ترعاه وتصونه وتحفظ عيشه.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.